dhl
dhl

«توت عنخ آمون… الطفل الذي أعاد للحضارة صوتها بعد ثلاثة آلاف عام»

القاهرة – أميرة المحمدي:

في قاعة شبه مظلمة يغمرها وهج ذهبي ناعم داخل المتحف المصري الكبير، يقف الملك الصغير توت عنخ آمون في صمتٍ مهيب، كأنه لا يزال يحرس أسرار مملكته القديمة بعد مرور أكثر من ثلاثة آلاف عام. تبدو عيناه المصوغتان بعناية مدهشة كأنهما تحدّقان في الزائرين واحدًا تلو الآخر، كما لو أنه يراقب بعين الزمن الطويل كيف يعود اسمه من جديد ليُحيي حضارةً لم تمت يومًا. هذا الصبي الفرعوني الذي لم يتجاوز التاسعة عشرة من عمره حين رحل، صار اليوم رمزًا خالدًا لمصر القديمة، وسفيرًا أبديًا للحضارة التي أبهرت العالم منذ اكتشاف مقبرته في وادي الملوك قبل أكثر من قرن.وُلد توت عنخ آمون في أواخر الأسرة الثامنة عشرة، في زمنٍ كانت فيه مصر تمرّ بمرحلة اضطرابٍ ديني وسياسي، بعدما غيّر والده إخناتون عبادة المصريين من آلهةٍ متعددة إلى عبادة الإله الواحد «آتون». وحين تولى الحكم وهو لا يزال طفلًا صغيرًا، قرر أن يُعيد التوازن المفقود لبلاده، فعاد إلى عبادة آمون رع، ونقل العاصمة إلى طيبة — الأقصر حاليًا — لتبدأ معه عودة مصر إلى تقاليدها الدينية القديمة واستقرارها السياسي. لم يطل به العمر ليشهد نتائج إصلاحاته، إذ توفي في ظروف غامضة لم تُفسر حتى اليوم، فظل لغز موته أحد أكثر الأسرار غموضًا في التاريخ المصري القديم.لكن القدر الذي طوى حياته سريعًا لم يُطفئ نوره. فبعد أكثر من ثلاثة آلاف عام، في عام 1922، دخل عالم الآثار البريطاني هوارد كارتر إلى مقبرته التي كانت مخبأة في وادي الملوك بالأقصر، ليكشف عن أعظم اكتشاف أثري في القرن العشرين. كانت المقبرة شبه سليمة، مغلقة بأختامها الملكية، وتضم أكثر من خمسة آلاف قطعة أثرية من الذهب والعاج والخشب المذهب والأحجار الكريمة، تحكي جميعها تفاصيل حياة ملك صغير عاش في عزّ الحضارة. من عرباته الحربية إلى تماثيله الصغيرة، ومن أدوات طعامه إلى ملابسه الملكية، كل قطعة كانت شاهدة على عظمة زمنه وعلى الرقي الذي بلغته مصر القديمة. لكن القناع الذهبي وحده كان يكفي ليخلّد اسمه إلى الأبد؛ فهو تحفة لا مثيل لها، تزن أكثر من أحد عشر كيلوجرامًا من الذهب الخالص، مرصع بالأحجار الكريمة، تعلوه الكوبرا الملكية، وكأنه إعلان عن الخلود في وجه الموت.اليوم، وبعد مائة عام من اكتشاف المقبرة، تستقر مقتنيات الملك الشاب في مكانٍ يليق به: المتحف المصري الكبير، الذي شُيّد على بُعد خطوات من أهرامات الجيزة، ليكون صرحًا عالميًا يروي قصة مصر كما لم تُروَ من قبل. في القاعة المخصصة لتوت عنخ آمون، تُعرض كنوزه داخل vitrines زجاجية شفافة بتقنيات عرض حديثة تحافظ على درجة الحرارة والرطوبة بدقة بالغة، كي تبقى القطع كما هي دون أن يلمسها الزمن. كل شيء في القاعة صُمم بعناية ليُعيد للزائر إحساس الدهشة الأولى؛ فالإضاءة تحاكي وهج الشمس القديمة، والممرات تحيط بها صور ونقوش من حياته اليومية، فيما تعزف موسيقى خافتة ألحانًا مستوحاة من حضارة طيبة، ليشعر الزائر وكأنه يسير بين أروقة الزمن لا بين جدران متحف.

تقول الدكتورة ميسون عبد الرازق، إحدى المشرفات على العرض داخل المتحف: «توت عنخ آمون لم يكن أعظم الملوك حكمًا، لكنه أصبح أعظمهم حضورًا. قصته تجسّد كيف يمكن لطفلٍ واحد أن يُعيد لبلده صوته، حتى بعد آلاف السنين». هذا الحضور الطاغي جعل اسمه يتجاوز حدود التاريخ ليتحول إلى ظاهرة فنية وثقافية عالمية، فصوره تُزيّن الكتب والمتاحف، ومعارضه جابت عواصم العالم من لندن إلى طوكيو، وكل مرة يعود فيها إلى موطنه الأصلي يشعر المصريون بأنهم يستعيدون قطعة من روحهم.ويقول أحد المرمّمين العاملين في المتحف إن كل قطعة من مقتنيات الملك مرت بمراحل دقيقة من الفحص والترميم استغرقت سنوات طويلة، استخدم فيها المصريون أحدث التقنيات بأيديهم، في عمل يُعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط. إنها ليست مجرد عملية ترميم لقطع أثرية، بل استعادة لذاكرة وطنٍ كان أول من علّم العالم معنى الخلود.حين يقف الزائر أمام القناع الذهبي داخل قاعة العرض، لا يرى فقط وجه ملكٍ راحل، بل يرى وجه الحضارة المصرية نفسها وهي تبتسم من خلال الزمن. هناك شيءٌ في تلك الملامح الهادئة يوحي بالسكينة والعظمة في آنٍ واحد، وكأن الطفل الملك يخبر العالم أن المجد لا يُقاس بطول العمر، بل بما يتركه الإنسان وراءه من أثرٍ خالد.لقد تحوّل توت عنخ آمون إلى أسطورة تتجاوز التاريخ والزمان، إلى رمزٍ لدهشة الإنسان أمام الجمال والبقاء. ومن خلاله، يواصل المتحف المصري الكبير رسالته الكبرى: أن يربط الماضي بالحاضر، وأن يجعل كل مصري يشعر بأن حضارته لا تزال حيّة تتنفس بين جدرانه. وهكذا، حين يخرج الزائر من القاعة، يبقى في ذهنه صدى واحد لا يزول: أن مصر، منذ فجر التاريخ، لا تموت أبدًا، بل تبعث نفسها من جديد في كل عصر، وفي كل ملك، وفي كل حجر يحمل اسمها.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.