dhl
dhl

«رمسيس الثاني… الفرعون الذي صارع الزمن وبنى مجده على صخور الخلود»

القاهرة – أميرة المحمدي:

في بهو المتحف المصري الكبير، يقف تمثال ضخم يلامس السقف كأنه قطعة من صخر الجيزة نفسه، مهيب في وقفته، مطمئن في نظرته، يطل على الزائرين كما لو كان يستقبلهم في قصره لا في متحف. إنه رمسيس الثاني، الفرعون الذي لم يكتفِ بأن يحكم مصر، بل أراد أن يجعلها مسرحًا للخلود. لا يكاد الزائر يقترب من قدمي التمثال حتى يشعر بتيارٍ خفيّ من القوة القديمة يتسلل في المكان، كأن الحجر لا يزال ينبض بالحياة، وكأن الملك الذي عاش قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام ما زال يراقب العالم بعينين من حجر، تريان ما لا يراه أحد.ولد رمسيس الثاني في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، في زمنٍ كانت فيه مصر في أوج مجدها العسكري والحضاري. كان والده الملك سيتي الأول من أعظم القادة الذين وحّدوا البلاد وأعادوا بناءها بعد فترات الاضطراب، لكن الابن الذي حمل اسمه إلى الخلود تجاوز كل ما سبقه. منذ صغره، تعلّم فنون القتال والإدارة، وتولى القيادة العسكرية وهو لا يزال في سن المراهقة. حين جلس على العرش، لم يكن مجرد ملكٍ جديد، بل كان مشروعًا لعصرٍ ذهبي جديد.قاد رمسيس الثاني جيوشه إلى معارك كثيرة، كان أشهرها معركة قادش ضد الحيثيين، والتي لا تزال تُعد من أقدم المعارك الموثقة في التاريخ. خرج فيها بجيش ضخم تجاوز العشرين ألف مقاتل، وواجه عدوه بجرأةٍ نادرة جعلت منه أسطورة عسكرية حقيقية. ورغم أن نتائج المعركة ظلت موضع خلاف بين المؤرخين، إلا أن رمسيس نجح في تحويلها إلى نصرٍ سياسي ودبلوماسي، حين وقّع أول معاهدة سلام مكتوبة في التاريخ بين مصر والحيثيين، محفورة حتى اليوم على جدران معبده في الكرنك. لقد أدرك أن المجد لا يكون بالسيف فقط، بل بالكلمة التي تبقى بعد المعركة.لكن ما يجعل رمسيس الثاني أكثر من مجرد قائدٍ عسكري هو شغفه بالبناء والخلود. لم يكن يرضى أن تمر أيام حكمه دون أن يترك أثرًا جديدًا، فامتلأت مصر بمعابد وتماثيل تحمل اسمه وصورته، حتى قيل إنه لم يبقَ في البلاد حجرٌ إلا وخُطّ عليه اسمه. في الأقصر شيد معبد الرامسيوم، وفي أبو سمبل نحت معبده الأعظم داخل جبلٍ من الصخر في عرضٍ هندسي مذهل، بحيث تشرق الشمس مرتين كل عام على وجهه داخل قدس الأقداس، يوم مولده ويوم جلوسه على العرش، وكأن الكون كله يعترف بسلطته.في المتحف المصري الكبير، تُعرض مقتنيات رمسيس الثاني ضمن مجموعة ضخمة تُبرز عبقريته كملك وفنان ومشرّع. يقف تمثاله الرئيسي في مدخل المتحف كحارسٍ للتاريخ، تحيط به القطع التي تحكي فصول حياته الطويلة التي تجاوزت التسعين عامًا — أطول من أي ملك حكم مصر القديمة.

ومن بين المعروضات بردياتٌ نادرة ونقوش تُظهره في لحظات الحياة اليومية، يضحك مع أولاده، يقدّم القرابين للآلهة، ويقود موكب النصر وسط جنوده. هذا التناقض بين العظمة الإنسانية والعظمة الإلهية هو ما جعل شخصيته أكثر حضورًا من أي ملك آخر.يقول الدكتور أحمد الجوهري، أحد الباحثين في علم المصريات، إن سرّ جاذبية رمسيس الثاني لا يكمن فقط في إنجازاته، بل في حضوره الطاغي الذي يجمع بين الإنسان والإله في آنٍ واحد. «لقد عرف كيف يصنع صورته في الوعي الجمعي،» يقول الجوهري، «فلم يترك جدارًا إلا ونقش عليه ملامحه، حتى أصبحت صورته مرادفة لمعنى الفرعون نفسه.».وربما لم يكن يدري أن صورته تلك ستنجو من عواصف الزمان لتصل إلى المتحف المصري الكبير بعد آلاف السنين. حين نُقلت مومياؤه في موكبٍ مهيب من المتحف القديم إلى المتحف الكبير، سارت خلفها عيون الملايين، كما لو أن التاريخ نفسه خرج يودّع صاحبه. كان المشهد أكثر من مجرد نقل لمومياء؛ كان احتفالًا بالحياة التي لا تفنى، بالحضارة التي لم تعرف السقوط.تبدو ملامح رمسيس في المومياء المعرَضة داخل المتحف مذهلة في وضوحها؛ الأنف الطويل، والفم الصغير، والعينان الغائرتان اللتان لا تزالان تحملان مزيجًا من الكبرياء والسكينة. كأن الجسد الذي قاوم ثلاثة آلاف عام لا يزال يحتفظ بظلّ روحه. بعض الزوار يقفون أمامه في صمت، وآخرون يبتسمون بدهشة، وربما يشعر البعض أنه سيلتفت إليهم في أية لحظة ليأمر أو يبتسم أو يُلقي نظرة على أحفاده في القرن الحادي والعشرين.في كل زاوية من المتحف التي تحكي قصته، يبدو واضحًا أن هذا الملك لم يكن يريد أن يُذكر فقط كحاكم، بل كرمزٍ للخلود ذاته. لقد آمن أن الإنسان يمكنه أن يهزم الزمن إذا ترك أثرًا لا يُمحى، وهكذا فعل. فحتى اليوم، حين تُذكر كلمة «فرعون»، فإن الصورة التي تتشكل في ذهن العالم هي صورة رمسيس الثاني، الملك الذي صاغ مجده بيديه، وحوّل الحجارة إلى ذاكرةٍ تتنفس.ربما لم يكن يدري وهو يقف أمام جبل أبو سمبل يشرف على نحت معبده أن هذا الحجر سيبقى شاهدًا على عبقريته إلى الأبد، وأن الشمس ستظل تزوره مرتين كل عام لتضيء وجهه كما أراد. لكنه عرف، بفطرة الملوك، أن من يبني مجده على الصخر لا يخاف من الغياب. وهكذا، يقف اليوم في المتحف المصري الكبير لا كأثرٍ من الماضي، بل كصوتٍ من الحاضر يقول للعالم: «هنا مصر، حيث لا يموت الزمن، وحيث يكتب الملوك أسماءهم على وجه الخلود».

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.