dhl
dhl

أحمد زويل قصة نجاح مصرية تتحدث بلغة الفمتو ثانية

القاهرة – نهاد شعبان:

في عالم مليئ بالاكتشافات العلمية ويتسابق فيه العلماء للوصول إلى أسرار الذرة والمادة، كان يلمع اسم عالم مصري كتب اسمه بحروف من نور في سجل الإنسانية العلمية، وهو الدكتور أحمد حسن زويل، العالم المصري الذي استطاع أن يضع بصمة خالدة في تاريخ العلم الحديث، وأن يجعل اسم مصر يذكر في أرقى المحافل الأكاديمية العالمية، حيث ولد أحمد زويل في مدينة دمنهور بمحافظة البحيرة عام 1946، ونشأ في بيئة مصرية بسيطة تقدر قيمة التعليم وتؤمن بأن العلم هو طريق النهوض، انتقلت أسرته إلى مدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، حيث أكمل مراحله الدراسية هناك، ومنذ صغره، كان شغوفا بالقراءة والتجريب، يتأمل الظواهر الطبيعية ويحاول فهمها بطرق بسيطة، مما كشف عن نبوغ مبكر دفع معلميه إلى تشجيعه باستمرار.التحق زويل بكلية العلوم في جامعة الإسكندرية، وتخرج منها عام 1967 بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف في الكيمياء، وبعدها عمل معيدا بالكلية، إلى أن حصل على منحة دراسية مكنته من السفر إلى الولايات المتحدة لاستكمال دراسته العليا، فبدأت رحلة جديدة من الكفاح والتحدي، ففي جامعة بنسلفانيا، حصل زويل على درجة الدكتوراه في الكيمياء عام 1974، ثم التحق بجامعة كاليفورنيا للتكنولوجيا “كالتيك”، وهي واحدة من أعرق الجامعات في العالم، ليبدأ هناك مرحلة جديدة من البحث العلمي العميق، وفي تلك الجامعة، بزغ نجم زويل الحقيقي حين قاد أبحاثا رائدة في مجال الكيمياء الفيزيائية، خاصة في دراسة التفاعلات الكيميائية على مستوى الزمن فائق القصر، لقد كان العالم من قبل يدرس التفاعلات الكيميائية وكأنها لقطات ثابتة، أما زويل فقد نجح في تحويلها إلى فيلم متحرك يمكن للعلماء من خلاله رؤية الجزيئات وهي تتفاعل لحظة بلحظة، ومن هنا ولد علم جديد سمي لاحقا بـ”كيمياء الفمتو ثانية”، وهي وحدة زمنية بالغة الصغر تعادل واحدا من مليون مليار من الثانية “10⁻¹⁵ ثانية”.

وفي عام 1990، أعلن زويل للعالم اكتشافه التاريخي الذي مكنه من تصوير التفاعلات الكيميائية في زمن الفمتو ثانية باستخدام تقنية الليزر فائق السرعة، وهذا الاكتشاف فتح آفاقا جديدة أمام العلوم كافة، من الكيمياء والفيزياء إلى الطب والهندسة وعلوم النانو، فقد أصبح بالإمكان دراسة كيفية تكوين وكسر الروابط الكيميائية في الجزيئات، مما ساعد على تطوير مواد جديدة وأدوية أكثر فاعلية، ونتيجة لهذا الإنجاز العلمي الهائل، منح أحمد زويل جائزة نوبل في الكيمياء عام 1999، ليكون بذلك أول مصري وعربي يحصل على هذه الجائزة في مجال العلوم، وقد علقت الأكاديمية الملكية السويدية عند منحه الجائزة بقولها:” لقد غير أحمد زويل الطريقة التي ننظر بها إلى التفاعلات الكيميائية إلى الأبد”، ورغم الشهرة العالمية التي حازها، ظل زويل مرتبطا بوطنه مصر ارتباطا وثيقا، كان دائم الحديث عن أهمية النهوض بالبحث العلمي في العالم العربي، وكان يحلم بأن يرى مصر ضمن الدول الرائدة علميا، ومن هذا الإيمان العميق، أطلق مشروعه الطموح مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، التي أراد لها أن تكون مركزا إقليميا للابتكار والأبحاث المتقدمة، ومصنعا للعقول المصرية القادرة على المنافسة عالميا.كما كان زويل رمزا للتواضع والإنسانية، فلم تغره الأضواء أو المناصب، بل ظل مخلصا للعلم ولرسالته في خدمة الإنسانية، وشارك في العديد من المؤتمرات الدولية، وكتب عددا من الكتب التي تجمع بين العمق العلمي والرؤية الفلسفية، مثل كتابه الشهير عصر العلم، الذي يحكي فيه قصة حياته ورؤيته لمستقبل المعرفة، وحصل زويل على عشرات الجوائز والأوسمة من مختلف دول العالم، منها ميدالية بنيامين فرانكلين، ووسام الاستحقاق الأمريكي، وقلادة النيل العظمى من مصر، بالإضافة إلى أكثر من 50 دكتوراه فخرية من جامعات دولية مرموقة، كما اختير عضوا في العديد من الأكاديميات العلمية، منها الأكاديمية الوطنية للعلوم في أمريكا والأكاديمية الفرنسية، ورحل الدكتور أحمد زويل عن عالمنا في 2 أغسطس 2016 بعد صراع مع المرض، لكن إرثه العلمي والفكري باق، يشهد على عبقرية عالم مصري آمن بأن المستقبل ملك لمن يملك العلم.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.