القاهرة _ أميرة المحمدي:
عُقد مؤخرًا في المتحف القومي للحضارة المصرية مؤتمر دولي متميز تحت عنوان “التراث المصري ودور الآثار كقوة ناعمة”، جمع نخبة من الأكاديميين والخبراء الدوليين في مجال الآثار والتراث الثقافي. الهدف من المؤتمر كان مناقشة دور التراث المصري في تعزيز الهوية الوطنية والتأثير الثقافي العالمي، بالإضافة إلى تحديث أساليب التعليم الأثري والتدريب العملي للجيل الجديد من المتخصصين.
•التراث المصري كقوة ناعمة
ركز المؤتمر على كيف يمكن للآثار المصرية أن تكون أداة للسياسة الثقافية والدبلوماسية الناعمة، حيث أن مصر تمتلك إرثًا حضاريًا فريدًا يمتد لآلاف السنين، يمثل عامل جذب عالمي للباحثين والسياح والثقافات الأخرى. وناقش المشاركون استراتيجيات استثمار التراث في تحسين صورة مصر دوليًا، وتعزيز مكانتها كوجهة ثقافية وسياحية رائدة.وشدد الخبراء على أن الآثار ليست مجرد مبانٍ قديمة أو متاحف، بل هي منصة لتبادل المعرفة بين الحضارات، وأداة تعليمية يمكن أن تساهم في تعزيز التعليم الثقافي والتاريخي للشباب المصري والعالمي. كما تم تناول كيفية استخدام التكنولوجيا الحديثة في صيانة وتوثيق الآثار، مثل الواقع المعزز والرقمنة، لتسهيل الوصول للمتاحف عن بعد وجعل التراث المصري أكثر جاذبية للأجيال الجديدة.
•تحديث التعليم الأثري والتدريب
ركز المؤتمر على تطوير المناهج التعليمية الخاصة بالآثار والتاريخ المصري، مع تدريب الطلاب على مهارات البحث الأثري الميداني والتعامل مع القطع الأثرية، بما يضمن إعداد كوادر قادرة على إدارة التراث بفعالية وحرفية عالية. وتمت مناقشة إمكانية إقامة برامج مشتركة بين الجامعات المصرية والدولية لتبادل الخبرات والتدريب الميداني، مع التركيز على الابتكار في التعليم وإعداد خبراء قادرين على ربط التراث بالقيم المعاصرة والسياحة الثقافية.
كما تم عرض مشاريع شبابية ومبادرات مبتكرة لإشراك الطلاب والمجتمع المدني في صيانة التراث، بما يعكس اهتمام مصر بالاستدامة الثقافية والحفاظ على الهوية الوطنية. وشدد المشاركون على أن الاستثمار في التعليم الأثري هو استثمار طويل الأمد يعزز الوعي الثقافي ويخلق فرص عمل في قطاعات السياحة والإعلام والتعليم.أمثلة على ورش التدريب والمبادرات الطلابيةشهد المؤتمر عرض عدة ورش تدريبية ومبادرات عملية لتأهيل الطلاب والكوادر الشابة في مجال الآثار، من أبرزها:
• ورشة التدريب الميداني على التنقيب الأثري في المتحف القومي للحضارة، حيث تم تدريب الطلاب على أساليب المسح والتنقيب الآمن، وتعليمهم كيفية توثيق القطع الأثرية باستخدام تقنيات التصوير الرقمي.
• مشروع رقمنة القطع التاريخية، الذي يتيح للطلاب إنشاء قواعد بيانات تفاعلية للمعروضات الأثرية، مما يسهل الوصول إليها للباحثين والجمهور العالمي عبر الإنترنت. • برنامج الإرشاد السياحي الثقافي للطلاب، والذي يركز على تطوير مهارات التواصل والسرد التاريخي، ليصبح الطالب قادرًا على تقديم جولات تعليمية متميزة للزوار المحليين والأجانب.
• مبادرة الشباب للحفاظ على التراث، التي تشرك الطلاب والمجتمع المدني في تنظيف وصيانة المواقع التراثية في القاهرة والأقصر وأسوان، مع تقديم ورش حول إعادة التدوير واستخدام التكنولوجيا الحديثة في حفظ التراث.تظهر هذه الأمثلة كيف أن المؤتمر لم يقتصر على الجانب النظري فقط، بل قدم فرصًا عملية للجيل الجديد، بما يعكس حرص مصر على ربط التعليم الأثري بالواقع العملي، وتأهيل كوادر مؤهلة لإدارة التراث وحمايته بشكل مستدام.
•تعزيز التعاون الدولي
ضم المؤتمر خبراء من مصر وعدة دول، لتبادل الخبرات بشأن حفظ التراث وإدارته، وإقامة برامج تدريبية مشتركة، وهو ما يعكس دور مصر القيادي في المنطقة في تطوير قطاع التراث والترويج للحضارة المصرية عالميًا. وتم التوصل إلى توصيات لتوسيع التعاون الأكاديمي وإنشاء شبكات دولية لدعم التعليم الأثري والبحث العلمي.
يشير انعقاد هذا المؤتمر إلى أن الآثار المصرية تتجاوز كونها مجرد معالم تاريخية، لتصبح أداة فعّالة في السياسة الثقافية والدبلوماسية، كما أنها وسيلة لتعزيز الهوية الوطنية وإبراز قوة مصر الناعمة على الصعيد الدولي. التعليم الأثري الحديث والتدريب الميداني للكوادر الجديدة يعكس رؤية مستقبلية مستدامة تضمن استمرار التراث في خدمة التنمية الثقافية والاقتصادية والسياحية.
بالنظر إلى الجهود المبذولة، يمكن القول إن مصر تبني نموذجًا رائدًا في استثمار التراث الثقافي، يجمع بين الحفاظ على الماضي وإعداد الأجيال القادمة لتحديات المستقبل، ويجعل من الآثار المصرية قوة ناعمة حقيقية تؤثر على العالم وتعزز مكانة مصر بين الأمم.














