القاهرة _ أميرة المحمدي:
تشهد المنظومة الصحية في مصر خلال الفترة الأخيرة حراكًا ملحوظًا يجمع بين تطوير العنصر البشري، وتعزيز الوعي المجتمعي، وإدخال مفاهيم تعليمية حديثة تربط بين الطب والمجتمع والسياسات العامة، في إطار توجه أوسع لبناء قطاع صحي أكثر كفاءة واستعدادًا للتحديات. ويظهر هذا التوجه بوضوح في الاهتمام المتزايد ببرامج تدريب وتأهيل الكوادر الصحية، إلى جانب التحرك الرسمي لمواجهة الشائعات الصحية المتداولة، وإطلاق مبادرات تعليمية نوعية لطلاب الطب.في هذا السياق، يتصاعد التركيز على برامج تدريب وتأهيل الكوادر الصحية بالتعاون مع جهات تدريب وطنية ومؤسسات متخصصة، بهدف رفع كفاءة الأطباء وأطقم التمريض والإداريين في المستشفيات والمراكز الصحية. وتشمل هذه البرامج تطوير المهارات الطبية التطبيقية، وأساليب الإدارة الصحية، وإدارة الأزمات، وجودة الخدمة، والتحول الرقمي في السجلات والتشغيل. ويأتي ذلك إدراكًا بأن جودة الرعاية الصحية لا ترتبط فقط بالتجهيزات، بل تعتمد بالدرجة الأولى على كفاءة العنصر البشري وقدرته على مواكبة أحدث الممارسات المهنية.وعلى صعيد الوعي الصحي، تحركت وزارة الصحة المصرية لنفي ما تم تداوله عبر بعض منصات التواصل الاجتماعي بشأن انتشار فيروس تنفسي جديد داخل المدارس، مؤكدة أن هذه المعلومات غير دقيقة ولا تستند إلى بيانات علمية أو تقارير وبائية رسمية. وأوضحت الجهات المختصة أن الوضع الصحي تحت المراقبة الدورية، وأن منظومة الترصد تعمل بشكل مستمر لرصد أي تغيرات وبائية محتملة، مشددة على أهمية الاعتماد على المصادر الرسمية في تلقي المعلومات الصحية، لتجنب إثارة القلق المجتمعي دون مبرر.وفي خطوة تعليمية لافتة، تم إطلاق برنامج جديد يحمل اسم “دبلوماسية الصحة” لطلاب كليات الطب، ويُعد الأول من نوعه على مستوى القارة الإفريقية، حيث يهدف إلى توسيع فهم الطلاب للعلاقة بين الصحة والسياسات العامة والمجتمع والعلاقات الدولية. ويركز البرنامج على تنمية مهارات التواصل، وإدارة الملفات الصحية ذات البعد الدولي، والتعامل مع المبادرات الصحية العابرة للحدود، بما يؤهل جيلًا من الأطباء القادرين ليس فقط على الممارسة الطبية، بل على المشاركة في صياغة المبادرات الصحية والتعاون الدولي.وتعكس هذه المحاور الثلاثة — التدريب المهني، وضبط المعلومات الصحية، والابتكار التعليمي — توجهًا واضحًا نحو بناء منظومة صحية حديثة لا تكتفي بالعلاج، بل تستثمر في المعرفة، وترفع كفاءة العاملين، وتحصّن المجتمع بالوعي، وتُعد كوادر قادرة على التعامل مع الصحة بوصفها قضية تنموية وإنسانية شاملة، لا مجرد خدمة طبية تقليدية.تكشف هذه التحركات المتوازية عن تحول نوعي في فلسفة إدارة الملف الصحي في مصر، حيث لم يعد التركيز مقتصرًا على تقديم الخدمة العلاجية فحسب، بل امتد ليشمل الاستثمار في الإنسان والمعرفة والوعي المؤسسي. فرفع كفاءة الكوادر بالتدريب المستمر، ومواجهة الشائعات الصحية بخطاب علمي رسمي، وإدخال مسارات تعليمية جديدة مثل “دبلوماسية الصحة”، كلها مؤشرات على انتقال المنظومة من ردّ الفعل إلى التخطيط الاستباقي.هذا المسار، إذا استمر بنفس الزخم والتكامل، يمكن أن يُنتج نموذجًا صحيًا أكثر قدرة على الصمود أمام الأزمات، وأكثر اتصالًا بالمجتمع واحتياجاته الفعلية، وأوسع حضورًا في دوائر التعاون الإقليمي والدولي. والتحدي الحقيقي لن يكون في إطلاق المبادرات، بل في استدامتها وقياس أثرها على جودة الخدمة وثقة المواطن، لأن نجاح أي نظام صحي لا يُقاس بعدد البرامج المعلنة، بل بمدى انعكاسها الواقعي على صحة الناس وحياتهم اليومية.


