القاهرة _ أميرة المحمدي:
في السنوات الأخيرة في مصر، عادت الدروس الخصوصية بقوة كظاهرة تهيمن على المشهد التعليمي مرة أخرى، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول فشل أو قصور ما قيل عنه “بدائل تعليمية” قدمتها الدولة والمنظومة التعليمية الرسمية.
رغم كل المحاولات الرسمية الرامية إلى تقليل الاعتماد على الدروس الخصوصية، من تطوير المناهج إلى إطلاق برامج رقمية ومنصات تعليمية، فإن الواقع على الأرض يشير إلى أن هذه البدائل لم تستطع أن تُحدث تحولاً جذريًا في سلوك الطلاب وأولياء الأمور، بل عادت الدروس الخصوصية لتؤدي دوراً تعليمياً مركزياً لدى كثير من الأسر والطلبة. في الأصل، سعت وزارة التربية والتعليم إلى إعادة الاعتبار للدور المدرسي وتحسين جودة التعليم الرسمي من خلال مناهج جديدة تعتمد على الفهم والاستيعاب بدلاً من الحفظ والتلقين، وتخفيف حجم المناهج في بعض المراحل، وكذلك تطوير طرق التقييم لتعزيز التعلم الحقيقي داخل الفصول الدراسية.
لكن الخبراء وأولياء الأمور يشيرون إلى أن هذه الخطوات لم تكن كافية بمفردها، لأن جوهر المشكلة يكمن في ضعف القدرات التنظيمية داخل الفصول، وكثافة الطلاب وضعف التفاعل الفردي، وبالتالي لم يشعر الطلاب بأن المدرسة توفر لهم ما يحتاجون إليه ليتمكنوا من التفوق والنجاح دون اللجوء إلى دروس إضافية. الأمر لم يتوقف عند حدود تطوير المناهج، فقد تم التوسع أيضًا في البدائل الرقمية والتعليم عن بُعد عبر منصات تعليمية وقنوات تعليمية على التلفزيون والبث الإلكتروني، بل حتى منصات تعليمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي هدفها أن توفر المواد والإجابات لكل طالب بشكل تفاعلي.
رغم ذلك، ظل الكثير من الطلاب وأولياء الأمور يرون في هذه الأدوات دعمًا مكملًا فقط لا بديلاً حقيقياً للدروس الخصوصية، لأن غالبية الطلاب يحتاجون إلى تفاعل مباشر وتوضيح مستمر مع مدرس قادر على توظيف أمثلة وتطبيقات بحسب مستوى كل طالب، وهو ما يجدونه في الدروس الخصوصية أكثر من داخل القاعات الدراسية الرسمية.
ما زاد من بروز الدروس الخصوصية أيضًا هو ثقافة مجتمعية راسخة تربط بين نجاح الطالب في اختبارات مهمة مثل الثانوية العامة وبين الدروس الإضافية خارج المدرسة، بحيث يشعر الكثير من أولياء الأمور أن عدم حصول أبنائهم على دروس خصوصية يعني حرمانهم من فرصة المنافسة على المراكز الجامعية المرموقة. هذه النظرة المجتمعية تجعل من أي بديل رسمي لنظام الدروس مجرد “أداة مساعدة” وليست بديلًا جذريًا، خصوصًا في ظل غياب الثقة الكاملة في قدرة المدرسة الرسمية على تلبية حاجات الطلاب ذات المستوى المختلف.
على الجانب الرسمي، تقول تصريحات وزير التربية والتعليم إن بعض مؤشرات الدروس الخصوصية بدأت في الانخفاض، إذ أُعلن عن انخفاض نسب الاعتماد عليها بنسبة تصل إلى نحو 50% بعد عودة الطلاب بشكل أكبر إلى الفصول وتفعيل مجموعات دعم داخل المدارس، بالإضافة إلى إدخال نظام “البكالوريا المصرية” كمنافس للثانوية التقليدية بهدف تقليل الضغط المرتبط بفرصة امتحان واحدة فقط. لكن هذه الانخفاضات لا تعني اختفاء الدروس أو زوالها تمامًا، وإنما تُظهر فقط تحولًا في أشكالها وربما في أماكن تقديمها، كما أن العديد من الطلاب ما زال يلجأ إليها في الصيف أو خارج أوقات الدراسة الرسمية.
من هنا يمكن القول إن البدائل التعليمية لم تفشل بشكل مطلق من حيث الفكرة أو أهدافها، لكنها فشلت في تلبية التوقعات العملية لطلاب يواجهون واقعًا تنافسيًا ومجتمعًا يرى في الدروس الخصوصية ضمانًا للنجاح الأكاديمي. السبب في ذلك يعود إلى جوانب عدة: قصور في جودة الشرح داخل الفصول، نقص الدعم الفردي للطلاب، ضعف الثقة في المنظومة الرسمية، والارتباط الثقافي القوي لفكرة “الدرس الخصوصي” كوسيلة ضرورية لتحقيق التفوق.
وعليه، فإن المعركة ضد الدروس الخصوصية لا يمكن أن تُحسم فقط بتطوير المناهج أو إطلاق منصات تعليمية، بل تحتاج إلى تركيز على تطوير المدرسة نفسها وجعلها بيئة تعليمية قادرة على تلبية احتياجات جميع الطلاب، ثقافيًا وتقنيًا وتربويًا بحيث يجد الطالب داخلها ما يكفي من الدعم والشرح دون الحاجة للبحث عنه خارجها.




