dhl
dhl

الهوس بالكورسات أونلاين… تطوير حقيقي أم سباق شهادات؟

القاهرة _ أميرة المحمدي:

في السنوات الأخيرة، ومع تسارع التحول الرقمي وانتشار منصات التعلم الإلكتروني، أصبح الالتحاق بالكورسات أونلاين ظاهرة واسعة الانتشار بين الشباب والمهنيين على حد سواء. لم يعد الأمر مقتصرًا على تعلم مهارة محددة، بل تحوّل لدى البعض إلى سباق مفتوح لجمع أكبر عدد ممكن من الشهادات، ونشرها على منصات التوظيف ووسائل التواصل الاجتماعي. هذا الانتشار الكبير يطرح سؤالًا مهمًا: هل نحن أمام موجة تطوير حقيقي للمهارات، أم حالة من “تكديس الشهادات” دون أثر عملي واضح؟لا شك أن التعلم الإلكتروني قدّم فرصة غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة بتكلفة أقل ومرونة أعلى، حيث أتاحت المنصات العالمية دورات في البرمجة، وإدارة الأعمال، والتسويق الرقمي، وتحليل البيانات، واللغات، وغيرها من المجالات المطلوبة في سوق العمل. هذه المرونة مكّنت كثيرين من تغيير مساراتهم المهنية أو تحسين فرصهم الوظيفية، خاصة لمن لا تسمح ظروفهم بالدراسة التقليدية.

كما ساعدت الكورسات القصيرة على مواكبة التغير السريع في المهارات المطلوبة.لكن في المقابل، ظهرت ظاهرة “الاستهلاك التعليمي السريع”، حيث يسجل بعض المتعلمين في عشرات الدورات دون إكمال فعلي أو تطبيق عملي، ويصبح الهدف هو الحصول على الشهادة الرقمية لا اكتساب المهارة. وهنا تتحول العملية من تعلم تراكمي إلى نشاط شكلي، قد يمنح شعورًا بالإنجاز، لكنه لا ينعكس بالضرورة على الأداء المهني أو القدرة الحقيقية على التنفيذ.كما أن سوق العمل نفسه أصبح أكثر وعيًا بهذه الظاهرة؛ فالكثير من جهات التوظيف لم تعد تنظر إلى عدد الكورسات بقدر ما تركز على المشروعات التطبيقية والخبرة العملية ونماذج الأعمال المنجزة. شهادة دون تجربة تطبيقية لم تعد كافية، بينما مشروع صغير منفذ بإتقان قد يكون أكثر قيمة من عشر شهادات غير مستخدمة.ومن زاوية أوسع، يعكس انتشار الكورسات أونلاين تحولًا في مفهوم التعليم نفسه من كونه مرحلة زمنية محددة إلى كونه عملية مستمرة مدى الحياة. فالمسار المهني لم يعد ثابتًا كما كان في السابق، بل أصبح مرنًا ومتغيرًا، ما يفرض على الأفراد تحديث مهاراتهم بشكل دوري. هذا التحول جعل التعلم الذاتي مهارة بحد ذاته، وأعاد توزيع المسؤولية من المؤسسات التعليمية وحدها إلى الفرد أيضًا، ليصبح شريكًا مباشرًا في بناء كفاءته المهنية.كما أن ظاهرة الإقبال المكثف على الدورات الرقمية تكشف جانبًا نفسيًا واجتماعيًا مهمًا، وهو القلق من التأخر عن السوق أو فقدان الفرص، خاصة مع الانتشار الواسع لمحتوى “طوّر نفسك بسرعة” على السوشيال ميديا. هذا الضغط قد يدفع البعض إلى التسجيل المتكرر دون تخطيط، بينما النمو المهني الحقيقي يحتاج إلى مسار واضح، واختيار نوعي للدورات، وربط كل تعلم بهدف قابل للقياس. لذلك فإن التوازن بين التعلم المنتظم والتطبيق العملي هو ما يحوّل الكورس من مجرد شهادة محفوظة في ملف إلكتروني إلى قيمة مضافة حقيقية في المسار المهني.تحليليًا، يمكن القول إن الكورسات أونلاين أداة قوية، لكن قيمتها الحقيقية ترتبط بطريقة استخدامها. فحين تكون مبنية على هدف مهني واضح، وخطة تعلم، وتطبيق عملي، تصبح وسيلة فعالة للترقي والتغيير. أما حين تتحول إلى سباق استهلاكي لجمع الشهادات، فإنها تفقد جوهرها. التحدي الحقيقي ليس في عدد الدورات التي نلتحق بها، بل في عدد المهارات التي نستطيع توظيفها فعلًا على أرض الواقع.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.