القاهرة – مصطفى المصري:
في زقاقٍ يضج بالحياة بـ “شبرا الخيمة”، وبين أروقة “باب الشعرية” حيث تفوح رائحة الأصالة، لا يرتفع دخان مطعم “أبو حمزة” ليحكي قصة طعامٍ فحسب، بل ليؤرخ ملحمة إنسانية قوامها “البركة” وسقفها “الستر”.
هنا، في حضرة الجمر، يقف رجالٌ آمنوا بأن إشباع جائعٍ بكرامة هو الربح الحقيقي، وأن “رغيف الغلابة” قد يفتح من أبواب السماء ما لا تفتحه الملايين.هذا الكيان الذي أسسه عمرو سعيد، ويديره بقلبٍ نابض وروحٍ مقاتلة شركاؤه الأوفياء؛ محمد عبدالستار، احمد عادل، إبراهيم عادل، ليس مجرد “سلسلة مطاعم”، بل هو مدرسة في فن الإدارة بالحب، والربح بالرحمة.
في هذا الحوار السردي المطول، نبحر مع محمد عبدالستار أحد أعمدة هذا المكان، لنكشف الستار عن “كواليس الشقاء” وصناعة “السعادة” في وجبة لا يتجاوز سعرها ثمن علبة كبريت، لكن قيمتها تزن جبالاً من الإنسانية.

في البداية، دعنا نغوص في تلك الروح الجماعية التي تدير “أبو حمزة”.. أنت تتحدث عن شركائك كأنكم بنيان مرصوص، كيف استطعتم الحفاظ على هذه الوحدة رغم ضغوط العمل الشاقة وتعدد الفروع؟
السر يكمن في “صدق النوايا”.
نحن لسنا مجرد شركاء عمل، نحن “عزوة”؛ أنا، وعمرو، وأحمد، وإبراهيم. عمرو هو المحرك الأساسي، رجل لا يعرف طعم الراحة، حياته كلها “فرم” وعمل. نحن نوزع الأدوار بذكاء؛ هناك من يتابع السوق، ومن يراقب الجودة، ومن يسهر على خدمة الزبون. ما يجمعنا هو أننا “ولاد منطقة واحدة”، نعرف قيمة القرش في يد الصنايعي ونعرف مرارة الحاجة.
حين تشعبت فروعنا من “الرحمة” إلى “الحريف” وصولاً إلى الفروع الثلاثة لـ “أبو حمزة”، تعاهدنا أن تظل الروح واحدة: “صاحب المكان هو أول من يحضر وآخر من ينصرف”. أنا شخصياً أتواجد حتى الرابعة فجراً، أشرف على “شك” السيخ وتجهيز الطلبات، لأن الزبون حين يرى صاحب المطعم واقفاً على قدميه، يطمئن قلبه أن ما يأكله خرج بضمير.
يُقال إن “الصنايعي” في مصر هو “السهل الممتنع”، فكيف تدير جيشاً من العمال والصنايعية دون أن يتأثر العمل بـ “دلال” أصحاب الحرف أو غيابهم المفاجئ؟الإدارة فن، وإدارة البشر أصعب أنواع الفنون. في سوق المطاعم، الصنايعي قد “يدلّ” أو يتركك في وقت الذروة، لكننا في “أبو حمزة” كسرنا هذه القاعدة بـ “الاحتياط الواعي”.
أنا دائماً لديّ “صنايعية سبير” (احتياطيين)، ليس تقليلاً من شأن أحد، ولكن لضمان “الاتزان”. الزبون الذي يقف أمام المطعم لا ذنب له في غياب فلان. نحن نحترم الصنايعي، نعطيه حقه وأكثر، لكننا لا نسمح لأحد بأن يمس “هيبة الجودة”.

بالأمس فقط، استغنيت عن صنايعي بسبب خطأ بسيط في “تبريد الطواجن”؛ فالأمانة عندنا لا تقبل القسمة على اثنين. الصنايعي الذي يعمل معنا يجب أن يكون “حوت”، سريعاً كالمحرك وقوياً كالفولاذ، والأهم من ذلك أن يمتلك روحاً سمحة، لأننا نؤمن أن “النفس” في الأكل يبدأ من نفسية من يصنعه.
بذكر “النفس” والجودة.. ما هي الرحلة التي تقطعها قطعة اللحم أو الفرخة من المجزر حتى تصل إلى مائدة الزبون في “أبو حمزة”؟
وما الذي يميزكم عن صرعات “الأكل السوري”؟الفرق بيننا وبين غيرنا هو “الأصالة”. نحن لا نستخدم “الفراخ المجمتة” أو المقطعة مسبقاً.
الفراخ تأتينا “فريش” في التاسعة صباحاً، تخضع لما نسميه “التكسير” أي فردها وتجهيزها يدوياً، ثم تغطس في تتبيلة سرية لساعات. نحن نستخدم “السالمورا” (خلطة البصل والطماطم الطازجة) لتطعم اللحم من الداخل، ثم تأخذ “وش فحم” ليمنحها القرمشة التي يعشقها المصريون.
أما الكباب والكفتة، فنحن نذبح “الخراف” كاملة ونشفيها بأنفسنا. اللحم يجب أن يبيت في التتبيلة، تماماً كما تفعل ست البيت الأصيلة، ليكون ليناً كالحرير عند المضغ. نحن نبيع “طعم زمان”، ذاك الطعم الذي تشم رائحته من مسافة أميال وتعرف فوراً أن هذا هو “أبو حمزة”.
نأتي للسؤال الذي يشغل بال الجميع.. كيف يستطيع مطعم بهذا الحجم تقديم “رغيف كفتة مشكل” بـ 40 جنيهاً، ووجبات كاملة بنفس السعر، في ظل هذا التضخم العالمي؟
(بابتسامة واثقة) الإجابة في كلمة واحدة: “البركة”. نحن لا نبحث عن المكسب السريع أو “الجشع” الذي نراه في السوق، حيث يصل سعر الكفتة لأرقام فلكية. مكسبي في الكيلو قد لا يتجاوز 30 جنيهاً، وهو مبلغ يذهب لتغطية الكهرباء، والمياه، والباكينج، ورواتب العمال التي تصل لآلاف الجنيهات يومياً. لكننا نراهن على “الكمية” وعلى “دعوات الغلابة”.

حين أقدم وجبة بـ 40 جنيهاً فيها (تمن كفتة ورز وعيش وسلطة)، فأنا أطعم “الشقيان” الذي لا يملك أكثر من ذلك. نحن نعتبر أنفسنا في “مهمة اجتماعية”، خاصة في رمضان؛ نجهز صواني تكلفنا أكثر من ثمن بيعها، ونعتبر الفرق “زكاة” عن صحتنا وأولادنا. التجارة مع الله هي التجارة الوحيدة التي لا تعرف الخسارة.
لقد لمسنا في حديثك جانباً إنسانيًا عميقاً، خاصة عندما ذكرت التزامك بالعمل حتي في يوم وفاة والدة زوجتك.. كيف يستطيع الإنسان أن يفصل بين هموم الأسرة وبين مسؤولية “إدارة النار” والعمال؟
هذا اختبار وسط عديد من الاختبارات التي مرت علي؛ وفاة والدة زوجتي جاءت فجأة؛ لكن كان لابد من التماسك في تأدية الواجب وفي نفس اليوم الذهاب والعمل، لأنني أولا، وأخيرا “والد” لكل هؤلاء العمال أيضاً. لو جلست في بيتي، ستتوقف حياة مئات الأسر المرتبطة بهذا المطعم. عدت من العزاء إلى “المحل” مباشرة. العمل في مثل هذه الظروف ليس قسوة قلب، بل هو “منتهى الوفاء” للمسؤولية التي وضعها الله على عاتقي.
تحدثت عن السوشيال ميديا بأسلوب مختلف، ووصفت بعض البلوجرز بـ “الشفاطين”.. كيف تستخدم التكنولوجيا لخدمة رسالتك بعيداً عن زيف الإعلانات؟
أنا أؤمن أن “الطيب لا يحتاج لإعلان صاخب”، لكن السوشيال ميديا أصبحت ضرورة مثل “الملح” في الطعام.
أنا أرفض من يأتي ليأكل مجاناً مقابل “كلمتين مدح”. صفحتي هي ساحة للتواصل المباشر مع الناس ولعمل “الخير”. ننظم مسابقات دينية أسبوعية، من يجيب يكسب “صينية كرم”.
بالأمس، فازت سيدة بسيطة بصينية ملكية، شعرت وكأنني أهديتها كنزاً. هذه المسابقات تربط الناس بنا عاطفياً. نحن لا نبيع “لحمة” فقط، نحن نبيع “تقدير”. وحين يرى الناس مصداقيتنا في المسابقات، يثقون في مصداقية طعامنا.
ما هو الحلم الذي يراود “أبو حمزة” في المستقبل؟
وهل هناك نية للتوسع في مناطق أكثر رقياً أم ستظلون أوفياء للمناطق الشعبية؟حلمنا هو أن نصل لكل “صنايعي” وكل “رب أسرة” يطمح في وجبة مشرفة بسعر حنين. نحن نتوسع الآن في مناطق تربط بين باب الشعرية والزاوية والوايلي، نبحث عن مساحات تستوعب العائلات بخصوصية ورقي، لكن دون التخلي عن “أسعار الغلابة”.
المناطق الشعبية هي جذورنا، ولن نقطع جذورنا أبداً. سنظل “أبو حمزة” الذي يعرفه الصغير والكبير، المطعم الذي يفتح أبوابه لكل عابر سبيل، مؤمنين بأن الستر والرضا هما العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها أبداً.






















