القاهرة _ أميرة المحمدي :
في صعيد مصر، حيث تتشابك التقاليد الراسخة مع تفاصيل الحياة اليومية، لا تزال المرأة تخوض معاركها الهادئة لإثبات ذاتها خارج الأدوار النمطية.
ومن بين هذه النماذج تبرز سهام سهري، المتخصصة في ترميم الآثار والحاصلة على درجة الماجستير في هذا المجال، والتي تواصل رحلتها كباحثة دكتوراه، في تخصص لا يعرف السهولة، بل يقوم على الصبر والدقة والعمل الميداني الشاق.
رحلة سهام مع ترميم الآثار لم تكن صدفة، بل اختيارًا واعيًا نابعًا من شغف حقيقي. ورغم تعدد أقسام الكلية، اختارت هذا التخصص وهي تدرك جيدًا صعوبته، وأنه سيضعها في مواقع عمل قاسية، بين الجبال والمقابر والمواقع الأثرية النائية.

لكنها كانت ترى في كل قطعة أثرية تُرمم بيديها حكاية تُبعث من جديد. وتقول إن لحظة رؤية نتيجة تعبها معروضة داخل قاعات المتحف المصري الكبير تمنحها شعورًا بالفخر لا يوصف، وكأنها تسهم في إعادة كتابة جزء من تاريخ وطنها.في البداية، لم يكن القرار سهلًا على أسرتها. الخوف كان حاضرًا، خاصة مع طبيعة العمل التي تتطلب الصعود إلى سقالات بارتفاعات قد تصل إلى عشرين مترًا، والنزول إلى مقابر أثرية، والسفر المتكرر.
لكن ثقتها في حلمها، وإصرارها على تحقيقه، حوّلا هذا الخوف إلى دعم حقيقي من أهلها، كانوا سندها الأول في مواجهة المجتمع.غير أن التحدي الأكبر لم يكن في طبيعة العمل فقط، بل في النظرة التقليدية لدور المرأة في الصعيد. فحصر المرأة في البيت ورعاية الأسرة ما زال فكرة راسخة لدى البعض، والعمل في مجال شاق كترميم الآثار يُقابل أحيانًا بتعليقات من قبيل: “ده شغل رجالة” أو “ليه التعب ده؟”.
هذه العبارات، وإن بدت عابرة، تحمل في طياتها تشكيكًا ضمنيًا في قدرة المرأة، وتفرض عليها جهدًا مضاعفًا لإثبات كفاءتها، حتى وإن كانت أكثر تميزًا من غيرها.تتحدث سهام عن صعوبة العمل الميداني: صعود الجبال، والعمل تحت أشعة الشمس الحارقة، وفي ظروف مناخية قاسية، فضلًا عن المخاطر الجسدية المحتملة من إصابات وإجهاد بدني، وبعد بعض المواقع عن الخدمات الأساسية.

كما أن ضعف الإمكانيات في بعض المواقع، وصعوبة التنقل والسفر، يزيدان العبء، خاصة حين تتداخل هذه المسؤوليات مع التزامات أسرية لا تقل أهمية.فالمرأة العاملة في هذا المجال لا تؤدي دورًا واحدًا، بل أدوارًا متداخلة: زوجة، وأم، وباحثة، ومرممة آثار. بين متابعة الأبناء دراسيًا، والالتزام بالبحث العلمي، والعمل الميداني، يتولد شعور دائم بالمسؤولية، وأحيانًا بالذنب، مهما حاولت تحقيق التوازن.
ضغط الدراسات العليا في تخصص عملي شاق، مع غياب دعم مؤسسي كافٍ أحيانًا للمرأة الباحثة، يضاعف الإحساس بالإرهاق النفسي والذهني.وتعترف بأن أكثر ما يرهق ليس فقط العمل البدني، بل الضغط النفسي لإثبات الذات في بيئة يغلب عليها الطابع الذكوري، والخوف المستمر من التقصير في أحد الأدوار، رغم الإنجازات المحققة.
أحيانًا يقل التقدير المعنوي، وأحيانًا تغيب السياسات الداعمة، مثل توفير خدمات مساندة أو مرونة أكبر في العمل، ما يجعل تحقيق التوازن بين الطموح الشخصي والواقع الاجتماعي تحديًا يوميًا.

ورغم كل ذلك، تؤكد سهام أن الاستمرار ليس خيارًا صعبًا حين يكون الحلم أكبر من التحديات. أن تكون نموذجًا لامرأة صعيدية تعمل في مجال ميداني شاق يعني، بالنسبة لها، كسر صورة نمطية قديمة، وفتح باب أمل لفتيات يخشين خوض مجالات غير تقليدية.
رسالتها واضحة: لا تجعلي الخوف أو كلام الناس يحددان مسارك، فالشغف الصادق قادر على أن يحوّل الصعوبات إلى درجات للصعود.في النهاية، ترى سهام أن المرأة في الصعيد لا تنحت في الصخر فقط حين تعمل في الجبال والمواقع الأثرية، بل تنحته أيضًا حين تواجه نظرة مجتمعية قاسية، وتعيد تشكيلها بالصبر والنجاح.
ومادامت الطموحات أكبر من القيود، فالمسيرة مستمرة، والإرادة قادرة على أن تترك أثرها… كما تترك يد المرمم بصمتها على حجرٍ أعاده إلى الحياة.



