القاهرة _ أميرة المحمدي:
حين يُذكر اسم شريف منير يتبادر إلى الذهن فورًا ذلك الفنان الذي استطاع، عبر عقود من العمل الدؤوب، أن يحفر اسمه في ذاكرة الدراما والسينما المصرية بحضور خاص لا يُشبه سواه. فهو ليس مجرد ممثل قدّم أدوارًا ناجحة، بل تجربة فنية متكاملة جمعت بين الموهبة الفطرية، والوعي بأدوات الأداء، والقدرة على التجدد دون أن يفقد هويته أو اتزانه.
بدأ شريف منير رحلته الفنية بخطوات ثابتة، مستندًا إلى دراسة أكاديمية وخبرة تراكمت مع الوقت، حتى صار واحدًا من أبرز الوجوه التي تملك قدرة لافتة على التنقل بين الأدوار الاجتماعية والرومانسية والكوميدية والدرامية العميقة. لم يكن حضوره يومًا عابرًا أو قائمًا على الصدفة؛ بل كان نتاج اجتهاد واضح واختيار محسوب للأعمال التي تضيف إلى رصيده ولا تستهلكه.
في السينما، قدّم أعمالًا تركت بصمة حقيقية في وجدان الجمهور، من بينها فيلم “سهر الليالي” الذي كشف عن قدرته على تجسيد الشخصيات المركبة داخل علاقات إنسانية شديدة الحساسية، وكذلك فيلم “ولاد العم ” الذي أظهر جانبًا مختلفًا من طاقته التمثيلية، مؤكدًا مرونته وقدرته على التلون الفني دون افتعال. كما شارك في تجارب أخرى عززت مكانته كنجم قادر على الجمع بين الجودة الجماهيرية والقيمة الفنية.
أما على الشاشة الصغيرة، فقد كان حضوره أكثر التصاقًا ببيوت المشاهدين، إذ تألق في أعمال درامية متعددة أبرزها “ليالي الحلمية” الذي يُعد أحد العلامات الفارقة في تاريخ الدراما المصرية، إلى جانب مسلسلات أخرى رسخت صورته كنجم يتمتع بصدق الأداء وهدوء التعبير وقوة التأثير.
استطاع أن يُجسّد الأب، والحبيب، والرجل الحائر، والشخصية الصارمة، وكلها بأداء متزن يخلو من المبالغة، ويعتمد على التفاصيل الدقيقة التي تخلق حالة من القرب بينه وبين الجمهور.ولا يمكن الحديث عن شريف منير دون التوقف أمام خفة ظله الطبيعية التي انعكست على كثير من أدواره، وجعلته قريبًا من قلوب الناس.
فهو يمتلك كاريزما هادئة، لا تعتمد على الصخب، بل على حضور واثق ونبرة صوت محسوبة وتعابير وجه تنقل الإحساس بصدق بالغ. هذا المزيج بين الجدية وخفة الظل منحه قدرة خاصة على كسب إعجاب فئات عمرية مختلفة، فصار نجمًا يحظى باحترام الكبار ومحبة الشباب في آن واحد.وعلى امتداد مسيرته، حافظ شريف منير على صورة الفنان المتزن الذي يبتعد عن الضجيج ويترك لأعماله أن تتحدث عنه.
لم يكن سعيه منصبًا على إثارة الجدل بقدر ما كان منصبًا على تطوير أدواته وصون مكانته، وهو ما انعكس في استمراريته الطويلة دون تراجع في المستوى أو فقدان للبريق. لقد اختار أن يكون فنانًا يحترم جمهوره، فيحترمه الجمهور بدوره، في علاقة متبادلة من التقدير والثقة.
إلى جانب أعماله السينمائية، عرف عنه حضور قوي على خشبة المسرح، حيث شارك في عروض مسرحية لافتة أكسبته خبرة إضافية في الاحتفاء باللغة الجسدية والتفاعل المباشر مع الجمهور، مما عزز موهبته وقدرته على التفاعل مع أدواره المختلفة بصورة متميزة.
كما تميز أيضًا بخفة الظل في كثير من تصريحاته ولقاءاته، وهو ما جعله قريبًا إلى قلوب الناس، يتابعونه ليس فقط لأدواره الدرامية، بل أيضًا لشخصيته الإنسانية الودودة والأسلوب الصادق في التعامل مع عشاق الفن.
لم تبخل عليه السنين بمزيد من التقدير، فقد حظي بالعديد من التكريمات والتقديرات طوال مسيرته، تقديرًا لعطائه الطويل وإسهاماته المتنوعة في الساحة الفنية سواء في السينما أو التلفزيون والمسرح.
ولا يزال اسمه يتردد في كثير من المحافل التي تحتفي بالفن الراقي والإبداع المتميز، تأكيدًا على مكانته كأحد رموز التمثيل المصري المعاصر.
ومن هنا يظل شريف منير رمزًا للفنان الذي يجمع بين العمق والرصانة، بين الصدق في الأداء وروح الدعابة الخفيفة في الحياة.
ومع اقتراب عرض مسلسل “رأس الأفعى” في موسم رمضان القادم، يتجدد حضور هذا الفنان الكبير على الشاشة، ليضيف صفحة جديدة إلى تاريخ حافل بالعطاء والإبداع، ويُذكّرنا دائمًا بأن الفنان الحقيقي هو من يظل في ذاكرة الناس بأعماله قبل أن يكون في أسمائهم.





