القاهرة _ أميرة المحمدي:
من قلب محافظة مطروح، خرجت الفكرة لا من فراغ، بل من واقع مؤلم تكرر أكثر من مرة. تحكي إسراء طلعت تركي، الطالبة بكلية التربية – قسم بيولوجي بـ جامعة مطروح، أن الشرارة الأولى لمبادرتها “أمانِك الرقمي” جاءت حين اشتكت أكثر من فتاة من تصرّف مريب لرجل يتجول متحدثًا في هاتفه بصوت مرتفع، مدّعيًا قدرته على تعيين أشخاص في وظائف بوزارة التربية والتعليم.

كان ينتظر أن تلتقط إحدى الفتيات طرف الحديث، فيبادرها بالسؤال: “حد عندك عاوز يتعين في وظيفة حكومية؟” وبحكم سنّه ومظهره الوقور، كانت بعض الفتيات يصدقنه ويمنحنه أرقام هواتفهن، لتبدأ بعد ذلك سلسلة من الاتصالات والمضايقات ومحاولات الاستدراج.تقول إسراء إنها أدركت خطورة الأمر، خاصة في مجتمع صغير قد تتحول فيه الشائعة إلى عبء ثقيل على الضحية.
شعرت أن السكوت ليس حلًا، وأن الخوف إذا تُرك دون مواجهة قد يتحول إلى أذى أكبر. من هنا وُلدت فكرة مبادرة “أمانِك الرقمي”، كمشروع توعوي يهدف إلى حماية الفتيات والسيدات من مخاطر الابتزاز الإلكتروني، وتعزيز وعيهن بحقوقهن وطرق التصرف السليم في المواقف المشابهة.

تؤكد إسراء أن المبادرة ليست مجرد عنوان، بل رسالة تقول لكل فتاة: لستِ وحدك. ففي زمن صار فيه الهاتف عالمًا كاملًا، ومواقع التواصل جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية، برزت مخاطر حقيقية مثل اختراق الحسابات، وسرقة الصور والمعلومات، والابتزاز الإلكتروني، والتنمر والتشهير، واستغلال قلة الوعي والخوف. والأصعب – كما تشير – أن الضحية كثيرًا ما تتحول إلى متهمة، فتلتزم الصمت خشية اللوم أو الفضيحة.تعتمد “أمانِك الرقمي” على التوعية العملية المباشرة، بعيدًا عن التخويف أو الطرح النظري.
ومن خلال شراكات مع مكتبة مصر العامة، ومجمع إعلام مطروح، ومركز شباب مطروح، إضافة إلى طرح المبادرة في عدد من المدارس والجامعات، نُفذت ورش عمل وندوات توضح معنى “البصمة الرقمية”، وخطورة بعض التطبيقات، وكيفية التصرف في حال سرقة الهاتف، والخطوات القانونية الصحيحة عند التعرض للابتزاز، وأرقام الجهات الرسمية المختصة، فضلًا عن الدعم النفسي اللازم في أوقات الأزمات.
كما تم التعاون مع مجمع إعلام مطروح لتنفيذ أنشطة موسعة، في إطار البرنامج القومي لتنمية أبناء الصعيد والمحافظات الحدودية برعاية رئاسة مجلس الوزراء المصري ووزارة الشباب والرياضة المصرية، ما منح المبادرة بُعدًا مؤسسيًا ورسميًا عزز من انتشارها وتأثيرها.
الفريق القائم على المبادرة يضم ستة أشخاص يؤمنون بالفكرة ويسعون لنشرها بجدية، إلى جانب دعم عدد من الجهات، من بينها الدكتورة نجلاء البلشي وكيل مديرية الشباب، ووحدة التضامن الاجتماعي، والهلال الأحمر المصري – مجمع هلال مطروح، والأستاذ شهاب المشرف على المبادرة. ولا تخفي إسراء امتنانها للدعم الكبير الذي تلقته من أسرتها، مؤكدة أن مساندة والدها وشقيقتها كانت ركيزة أساسية في انطلاق المشروع واستمراره.
إسراء، التي تشارك كذلك في أعمال تطوعية متعددة، تؤمن أن التوعية ليست رفاهية، بل ضرورة لحماية المجتمع. ورسالتها الأهم أن المعرفة هي السلاح الحقيقي في مواجهة الخوف، وأن الأمان الرقمي حق أصيل لكل فتاة، وأن السكوت لا يحمي، بل الوعي هو الطريق إلى الأمان.




