القاهرة _ أميرة المحمدي:
لم يكن افتتاح مسجد الرحمن بالمظلات في فبراير 2026 حدثًا عاديًا في حي شبرا، بل كان لحظة استثنائية اختلطت فيها مشاعر الفرح بالدهشة، بعد رحلة طويلة من الصبر امتدت لما يقرب من 50 عامًا، تحوّل خلالها حلم أهالي المنطقة إلى واقع حيّ يزين سماء القاهرة بمآذنه الشاهقة.بدأت قصة المسجد في عام 1980، عندما وضعت جمعية الهداية الإسلامية حجر الأساس، معتمدة بشكل كبير على تبرعات الأهالي وجهودهم الذاتية. ومنذ ذلك الحين، ظل المسجد مشروعًا مفتوحًا على الزمن، يتوقف أحيانًا ويستأنف أحيانًا أخرى، في ظل تحديات مالية وظروف مختلفة مر بها على مدار عقود. وخلال هذه الرحلة الطويلة، واجه المسجد أزمات عديدة، من بينها تعرضه لمياه راكدة في فترات سابقة، إلى جانب شائعات عن احتمالية هدمه، إلا أن إرادة القائمين عليه وأهالي المنطقة ظلت أقوى من كل التحديات، حتى اكتمل بناؤه أخيرًا في 2026.
ومع اكتماله، لم يعد المسجد مجرد مكان للصلاة، بل تحول إلى صرح ديني ومعماري ضخم، حيث يمتد على مساحة تصل إلى نحو 4000 متر مربع، ويتسع لما يقرب من 15 ألف مصلٍ، ما يجعله واحدًا من أكبر مساجد القاهرة الحديثة. ويتميز المسجد بتصميم معماري لافت يمزج بين الطراز الإسلامي الكلاسيكي واللمسات الحديثة، مع قباب متعددة ومآذن شاهقة يصل ارتفاع الواحدة منها إلى نحو 110 أمتار، في مشهد بصري مهيب جعله علامة بارزة في منطقة المظلات. ولم يقتصر دور المسجد على العبادة فقط، بل يضم أيضًا خدمات مجتمعية مهمة، من بينها معهد ديني ومرافق خدمية، بل ومشروع مستشفى في الدور الأرضي، ما يعكس رؤية متكاملة لتحويله إلى مركز ديني وخدمي متكامل يخدم أهالي المنطقة. وفي خطوة تعزز من مكانته الدينية، تم ضم المسجد إلى منظومة الرواق الأزهري التابعة لـ الأزهر الشريف، ليحمل اسم “مجمع الرواق الأزهري بالمظلات”، ويصبح منبرًا لنشر الفكر الوسطي وتعليم العلوم الشرعية، في إطار دور الأزهر في بناء الوعي الديني. لحظة الافتتاح كانت مؤثرة بكل المقاييس، حيث شهد المسجد إقامة أول صلاة جمعة وسط حضور كثيف من الأهالي، الذين ملأوا أرجاءه في مشهد عكس حجم الارتباط العاطفي بينهم وبين هذا المكان، الذي شاهدوه يكبر أمام أعينهم عبر أجيال متعاقبة. وتحولت هذه اللحظة إلى ما يشبه الاحتفال الشعبي، عبّر فيه الجميع عن فخرهم بإتمام هذا المشروع، الذي لم يكن مجرد بناء، بل قصة كفاح جماعي وصبر طويل.هكذا، لم يعد مسجد الرحمن مجرد مسجد جديد يُفتتح، بل أصبح رمزًا حيًا للإرادة والصبر، وشاهدًا على أن الأحلام—even لو تأخرت لعقود—يمكن أن تتحقق، حين يتمسك بها أصحابها.





