القاهرة – مصطفى المصري:
في ليلة من ليالي القاهرة الخمسينية، وبينما كانت أضواء المسارح تتلألأ وصوت الضحكات يتعالى، لم يكن الفن مجرد وسيلة للترفيه، بل كان مرآةً تعكس طموحات البسطاء.
وفي قلب هذا المشهد، وقف العملاق إسماعيل يس ليحكي قصة شعب مع “تحويشة العمر”، مجسداً إياها في مونولوج ظل محفوراً في ذاكرة الاقتصاد والفن معاً: مونولوج البنك الأهلي.
الحلم على أنغام المونولوج
تبدأ الحكاية برجل بسيط، يرتدي بذلته المتواضعة وطموحه الذي لا يحده سقف.
لم يكن “سمعة” في هذا العمل مجرد مؤدٍ، بل كان “البطل الشعبي” الذي يحلم باليوم الذي تطأ فيه قدماه عتبات البنك الأهلي المصري. السرد في كلمات الأغنية لم يكن يمدح الأرقام، بل كان يغازل “الوجاهة”؛ فالدخول إلى البنك الأهلي في ذلك الوقت كان يعني صكاً غير مكتوب للانتقال من حياة الضنك إلى رغد العيش ومجالسة “البشوات”.
من “دفتر الإدخار” إلى “الشمول المالي”
تتجلى عبقرية كلمات المونولوج في قدرتها على ملامسة “وتر الحلم” لدى المصريين؛ فبينما كان إسماعيل يس يشدو بعبارات تعكس الرغبة في “البرنسة” والوجاهة من خلال إيداع الأموال في البنك الأهلي، نجد أن هذا المفهوم لم يتغير جوهرياً في عصرنا الحالي، بل تطور أدواته.
فما كان يصفه “سمعة” قديماً بـ “تحويشة العمر” التي تمنح صاحبها هيبة اجتماعية، هو ذاته ما تسعى إليه الدولة اليوم تحت مسمى “الشمول المالي” وتطبيقات البنوك الرقمية.
كلمات المونولوج التي ربطت بين الأمان المادي وصرح البنك الأهلي، تتقاطع مع واقعنا المعاصر حيث لا يزال البنك يمثل الملاذ الآمن للاستثمار والادخار، وكأن “سمعة” كان يستشرف مستقبلاً يصبح فيه التعامل البنكي جزءاً لا يتجزأ من كرامة المواطن واستقراره المعيشي، محولاً الصرامة المصرفية إلى “أسلوب حياة” يجمع بين العراقة التراثية والتكنولوجيا الحديثة.

كواليس “التريند” قبل عصر السوشيال ميدياخلف الستار، لم تكن الأغنية مجرد عمل عابر، بل كانت استراتيجية ذكية لدمج المؤسسة الوطنية بالوجدان الشعبي:
* صناعة الصورة: اختار إسماعيل يس أن يربط بين “الأمان” المادي وبين اسم البنك، مصوراً إياه كالحصن الذي لا يُخترق.
* الصدى الرقمي (تاريخياً): توثق الأرشيفات أن هذا المونولوج كان الأكثر طلباً في “ركن الأغاني” بالإذاعة، حيث نجح “سمعة” في تحويل صرامة المؤسسات المصرفية إلى مادة فنية قريبة من “ولاد البلد”.
رمزية المكان والزمان
عودة للفيلم والأغنية نجد أن “البنك الأهلي” لم يكن مجرد وجهة مالية، بل كان “بطلاً صامتاً” في الأغنية.
المبنى التاريخي العريق بواجهته المهيبة، والذي صممته في تلك الفترة عقول هندسية فذة، كان يقابل عفوية إسماعيل يس وحركاته الكوميدية، ليخلق تضاداً فنياً (Contrast) مذهلاً؛ فالبنك يمثل “الرصانة”، وإسماعيل يمثل “الانطلاق”.
إرث لا ينفد
رحل إسماعيل يس، وبقيت أغنية “البنك الأهلي” شاهدة على حقبة كان فيها الفن هو المسوق الأول للقيم الوطنية.
لم يترك “أبو ضحكة جنان” رصيداً ضخماً من المال، لكنه ترك رصيداً من البهجة مرتبطاً باسم مؤسسة وطنية، مؤكداً أن الضحكة الصافية هي العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها مهما مر الزمان.


