تقرير خاص| “أنا مصري… أنا إفريقي”.. تجربة معرفية متكاملة تعيد تشكيل الوعي الإفريقي بجامعة الأهرام الكندية
القاهرة – مي عبده:
في إطار توجه متصاعد نحو إعادة اكتشاف العمق الإفريقي للهوية المصرية، اختتمت جامعة الأهرام الكندية فعاليات برنامج “أنا مصري… أنا إفريقي”، الذي أُقيم على مدار يومي 14 و15 أبريل 2026، بالتعاون مع مكتب التنمية المستدامة بالجامعة ومبادرة “أفروميديا” للصحافة والإعلام الإفريقي، ليقدم نموذجًا متكاملًا يجمع بين الطرح الأكاديمي والتطبيق العملي، وسط مشاركة متميزة من الخبراء والدبلوماسيين والطلاب.
جاء البرنامج تحت رعاية الأستاذ الدكتور خالد حمدي، رئيس الجامعة، والأستاذة الدكتورة أمل فوزي، نائب رئيس الجامعة، وبإشراف الدكتورة رجاء مجدي، مدير مكتب التنمية المستدامة، ليؤكد دور المؤسسات الأكاديمية في بناء وعي حقيقي بقضايا القارة الإفريقية، وتعزيز انخراط الشباب في مساراتها التنموية.
انطلاقة تؤسس للوعي الإفريقي
شهدت الجلسة الافتتاحية تأكيدًا على أهمية إعادة تقديم إفريقيا برؤية حديثة، حيث أوضح الأستاذ حسن غزالي، مؤسس مبادرة “أفروميديا”، أن المبادرة منذ إطلاقها عام 2021 تسعى إلى تمكين الشباب الإفريقي عبر أدوات التعليم والتدريب، بما يعزز قدرتهم على التعامل مع التحديات المعاصرة وصناعة مستقبل قائم على التكامل.
فيما شدد رئيس الجامعة على أن ترسيخ البعد الإفريقي في وعي الطلاب يمثل ضرورة استراتيجية، مؤكدًا أن مصر كانت عبر العصور نقطة التقاء للحضارات، وأن استعادة هذا الامتداد يُعد جزءًا من مسؤولية الجامعة في إعداد كوادر قادرة على التفاعل مع محيطها الإقليمي والدولي.
كما أشار الأستاذ الدكتور محمد فايز فرحات إلى أن الهوية المصرية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعمقها الإفريقي، لافتًا إلى تنامي الدور المصري داخل القارة، خاصة في ملفات التغير المناخي والتعاون الدولي.
العلاقات الثنائية الإفريقية.. رؤية دبلوماسية متعمقة
وفي واحدة من أبرز جلسات البرنامج، جاءت جلسة “العلاقات الثنائية الإفريقية” بمشاركة السفير محمد كريم شريف، مساعد وزير الخارجية للشؤون الإفريقية، والتي أدارها الباحث حسن غزالي، لتقدم قراءة استراتيجية شاملة لمسار العلاقات المصرية الإفريقية.
أكد السفير خلال الجلسة أن القارة الإفريقية تحتل موقعًا متقدمًا في أولويات السياسة الخارجية المصرية، بدعم مباشر من وزير الخارجية السفير بدر عبد العاطي، الذي يولي اهتمامًا خاصًا بتعزيز التواصل مع الشباب، باعتبارهم ركيزة بناء العلاقات الدولية المستقبلية.
وأوضح أن مصر تنتهج مبدأ “الاتزان الاستراتيجي” في سياستها الخارجية، وهو النهج الذي يعكس إدراكًا عميقًا بأهمية تثبيت الهوية الإفريقية لمصر، وتصحيح أي تصورات مغلوطة حول هذا الانتماء.
وأشار إلى أن منطقة حوض النيل تمثل عمقًا استراتيجيًا وأمنًا قوميًّا، إلى جانب اهتمام متزايد بمنطقتي الساحل والقرن الإفريقي، مؤكدًا أن تحقيق الأمن والتنمية يمثلان معادلة متكاملة لا يمكن الفصل بين طرفيها.
كما تناول تطور العلاقات الاقتصادية، موضحًا أنها ممتدة تاريخيًا، لكنها لا تزال دون الطموحات بسبب التحديات السياسية والأمنية في بعض الدول، لافتًا إلى أهمية مشروعات الربط الإقليمي، مثل الربط البري ومشروع بحيرة فيكتوريا، رغم ما تواجهه من تحديات.
واستعرض السفير نماذج للدور التنموي المصري في إفريقيا، من بينها مشروع سد “نيريري” في تنزانيا، إلى جانب جهود الوكالة المصرية للشراكة من أجل التنمية، التي تسهم في نقل الخبرات وبناء القدرات، فضلًا عن استضافة أكثر من 70 ألف طالب إفريقي في الجامعات المصرية، بما يعكس قوة الحضور التعليمي والثقافي المصري.
التكامل الاقتصادي واتفاقية التجارة الحرة الإفريقية
وفي سياق متصل، ناقشت جلسة اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية آفاق التكامل الاقتصادي داخل القارة، حيث أكدت الدكتورة سمر الباجوري أن الاتحاد الإفريقي يعتمد على ثمانية تكتلات إقليمية رئيسية كركائز للتكامل، مع وجود تفاوت في مستويات أدائها.
وأوضحت أن التكامل الإفريقي يتجاوز البعد الاقتصادي ليشمل أبعادًا سياسية وبنية تحتية واجتماعية، في إطار “أجندة إفريقيا 2063″، التي تمثل خارطة طريق لمستقبل القارة.
كما استعرضت أهداف الاتفاقية، التي تسعى إلى إنشاء سوق إفريقية موحدة، وتسهيل حركة التجارة ورؤوس الأموال، وتعزيز تنافسية الاقتصادات، إلى جانب آليات التنفيذ، مثل قواعد المنشأ ونظام المدفوعات الإفريقية.
ورغم التحديات المرتبطة بالبنية التحتية والأزمات الداخلية، أكدت الجلسة أن مصر تمتلك مقومات قوية تؤهلها للعب دور محوري في دعم الاتفاقية، بفضل تنوع اقتصادها وتطور بنيتها التحتية.
ورش العمل.. من المعرفة إلى التطبيق
وعلى الجانب التطبيقي، شهد البرنامج تنظيم ورش عمل متخصصة، أبرزها ورشة “المناظرات ومهارات التفاوض” التي قدمها الدكتور أحمد مختار، حيث تناول الأسس العلمية للتفاوض، ومراحله المختلفة، وأهمية إدارة الحوار بشكل احترافي يحافظ على العلاقات ويحقق المصالح المشتركة.
كما استعرض مفهوم المناظرات وأنواعها، مؤكدًا أهمية بناء الحجج على أسس علمية ومنطقية، واستخدام الأدلة والبيانات في دعم الطرح، إلى جانب مهارات دحض المغالطات، وهو ما انعكس في تفاعل ملحوظ من المشاركين الذين خاضوا تجارب عملية عززت من قدراتهم في التفكير النقدي والتواصل الفعّال.
وفي مشهد يعكس التكامل بين الجانب الأكاديمي والتطبيقي، برز حضور إعلامي شبابي لافت خلال فعاليات البرنامج، حيث تولّت تقديم وإدارة جلسات اليومين الإعلاميتان الحسناء شريف وتسبيح علي، من طلبة وخريجي كلية الإعلام بجامعة الأهرام الكندية.
وقدّمتا أداءً متميزًا اتسم بالثقة والحضور والقدرة على إدارة الحوار بسلاسة واحترافية، بما عكس مستوى متقدمًا من التأهيل الإعلامي، وأضفى على الفعاليات طابعًا حيويًا وتفاعليًا عزّز من تجربة الحضور.
كما جسّد هذا الدور نموذجًا واقعيًا لنجاح الجامعة في إعداد كوادر إعلامية شابة قادرة على الانخراط الفعّال في القضايا الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الشأن الإفريقي.
ختام يحمل توصيات ورؤية مستقبلية
واختُتمت فعاليات البرنامج بجلسة ختامية شهدت طرح مجموعة من التوصيات المهمة، التي تناولت القضايا الراهنة في القارة الإفريقية، وآليات التعامل معها بصورة منهجية، بما يسهم في تنمية المهارات المعرفية والعملية لدى الطلاب.
وأكدت مخرجات البرنامج على أهمية استمرار مثل هذه المبادرات التي تربط بين التعليم والتطبيق، وتسهم في بناء جيل أكثر وعيًا وقدرة على التأثير داخل القارة الإفريقية.
وبهذا، نجح برنامج “أنا مصري… أنا إفريقي” في تقديم تجربة متكاملة أعادت طرح مفهوم الهوية برؤية أكثر عمقًا واتساعًا، ليبقى أثره الحقيقي في وعي المشاركين، الذين أصبحوا أكثر اتصالًا بإفريقيا… وأكثر استعدادًا للمشاركة في صياغة مستقبلها.


























