القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
تعيش شركة إنفيديا واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا في تاريخها؛ فبينما تحقق قفزات هائلة في الإيرادات وصلت إلى نحو 46.7 مليار دولار بزيادة بلغت 56% على أساس سنوي، لتتجاوز كل التوقعات، تواجه في الوقت ذاته تحديًا استراتيجيًا ضخمًا قادمًا من السوق الصينية.هذه السوق، التي كانت تمثل ما يقرب من 13% من مبيعات الشركة (أي حوالي 5.5 مليار دولار)، تحولت فجأة إلى ساحة معركة مفتوحة بين إنفيديا وقوانين الأمن السيبراني والرقابة الحكومية في بكين.من أجل الالتفاف على قيود التصدير الأمريكية، ابتكرت إنفيديا شريحة H20 خصيصًا للصين. لكن سرعان ما انقلبت الآية؛ إذ اتهمتها السلطات الصينية باحتواء “أبواب خلفية” تسمح بالتحكُّم أو التجسس عن بُعد.في 31 يوليو 2025، استدعت هيئة الإنترنت الصينية ممثلي إنفيديا للتحقيق، ملوّحة بقوانين حماية البيانات والأمن الإلكتروني. الشركة من جهتها أنكرت هذه المزاعم جملة وتفصيلًا، مؤكدة أن منتجاتها تخضع لأعلى معايير الأمان.
لكن الضغوط الصينية لم تتوقف هنا؛ فقد أجبرت الأزمة إنفيديا على تعليق إنتاج شريحة H20 بعد أن رفضتها السوق بشكل شبه كامل، وأصدرت تعليمات لمصنّعيها مثل TSMC وسامسونج وأمور بوقف خطوط الإنتاج.بينما كانت إنفيديا تواجه العاصفة، شهدت الشركات الصينية المحلية مثل Cambricon وSMIC انتعاشًا كبيرًا في أسهمها، مسجلة قفزات بين 16–20%، وهو ما يعكس رغبة بكين في تعزيز الاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الغرب.أما في الجانب الأمريكي، فقد أبرمت إنفيديا اتفاقًا مع الإدارة الأمريكية يقضي بمشاركة 15% من إيراداتها من السوق الصينية مقابل السماح بإعادة التصدير، وهي صفقة أثارت جدلاً سياسيًا واسعًا داخل الولايات المتحدة نفسها.على الرغم من إخفاق H20، ما زالت إنفيديا تراهن على شريحة جديدة باسم B30A، مبنية على معمارية Blackwell، وتتفوق بنسبة 30–50% على H20 من حيث الأداء. إلا أن طرح هذه الشريحة في الصين لا يزال غامضًا، إذ يحتاج لموافقة مزدوجة: من واشنطن التي تفرض قيودًا متزايدة، ومن بكين التي تضع شروطًا صارمة تحت مظلة الأمن القومي.يمكن اختزال المشهد الراهن في عدة نقاط:تفوق تقني بلا منافس: إنفيديا ما تزال المزود الأساسي لتقنيات الذكاء الاصطناعي، وحتى الصين نفسها لم تتمكن من سد الفجوة رغم صعود شركاتها المحلية.
ضغوط سياسية مزدوجة: الشركة تسير فوق حبل مشدود بين عقوبات أمريكية ورقابة صينية لا تقل صرامة.ابتكار تحت قيود: الاضطرار لإنتاج شرائح معدلة خصيصًا للصين (H20 – B30A) يعكس كيف أصبحت التكنولوجيا لعبة سياسية بامتياز.انعكاسات عالمية: أي هزة في علاقة إنفيديا بالصين تعني اضطرابًا في إمدادات الذكاء الاصطناعي عالميًا، بما يحمله ذلك من آثار على الاقتصاد والأمن السيبراني.عزلة تكنولوجية أم اختبار قوة؟اليوم، تجد إنفيديا نفسها وحيدة بالفعل في مواجهة حرب إلكترونية صينية تتجاوز مجرد منافسة تجارية، لتصبح معركة سياسية وأمنية بامتياز. فهي مطالَبة بأن تقدّم ضمانات أمنية لبكين، وفي الوقت نفسه أن تلتزم بـ شروط واشنطن.المفارقة أن الصين، رغم كل الضغوط، ما تزال بحاجة إلى شرائح إنفيديا لقيادة سباق الذكاء الاصطناعي. وهنا تكمن قوة الشركة وضعفها معًا: قوة التفرد التقني، وضعف العزلة السياسية.




