dhl
dhl

“الدراما في زمن المنصات الرقمية.. هل تبدّل ذوق المشاهد المصري؟”

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لم تعد شاشة التلفزيون التقليدية وحدها هي الحاضن الرئيسي للدراما المصرية والعربية، فقد قلبت المنصات الرقمية المعادلة رأسًا على عقب. فمنذ صعود خدمات مثل نتفليكس وشاهد وواتش إت، تغيرت خريطة المشاهدة، وبرز سؤال جوهري: هل تبدّل ذوق المشاهد المصري فعلًا في ظل هذا التحول؟لقد اعتاد الجمهور لعقود طويلة على مواسم درامية ترتبط بشهر رمضان، حيث يجتمع المصريون أمام الشاشة لمتابعة أعمال ضخمة تُقدَّم دفعة واحدة. لكن المنصات الرقمية كسرت هذه القاعدة؛ إذ قدّمت نمطًا جديدًا يقوم على المواسم القصيرة من ست إلى عشر حلقات، وإتاحة المشاهدة في أي وقت، بعيدًا عن قيود البث التقليدي. هذا التحول منح المشاهد حرية أكبر، لكنه في الوقت نفسه أعاد تشكيل معاييره لما يُسمّى بالعمل الناجح.فبينما كان المشاهد المصري في الماضي يولي اهتمامًا أكبر للأسماء اللامعة من نجوم الصف الأول، أصبح اليوم أكثر انجذابًا إلى النص المتماسك، والإيقاع السريع، والإنتاج الذي يحاكي المعايير العالمية. لم يعد الجمهور يتسامح مع الإطالة أو الحشو، بل يبحث عن تجربة متكاملة، وهذا ما يفسر نجاح بعض الأعمال القصيرة التي عرضت عبر المنصات، رغم قلة نجومها مقارنة بالدراما التلفزيونية التقليدية.كما سمحت المنصات بتنوع أوسع في الموضوعات، إذ طرحت أعمالًا جريئة تتناول قضايا لم يكن التلفزيون يتطرق إليها بسهولة، مثل العلاقات الأسرية المعقدة، وصراعات الهوية، وتحديات الجيل الجديد مع التكنولوجيا. وفي المقابل، ما زالت بعض الشرائح من الجمهور المصري تفضل الدراما الاجتماعية التقليدية التي تحاكي الواقع المحلي، ما يعكس وجود ذوق مزدوج يتراوح بين الحداثة والنوستالجيا.

ولم يكن تأثير المنصات على الجمهور فقط، بل امتد إلى صنّاع الدراما أنفسهم، حيث وجدوا أنفسهم أمام تحديات جديدة، من بينها الالتزام بإيقاع أسرع في السرد، والاعتماد على أساليب تصوير وإنتاج أكثر جودة، لتلبية توقعات جمهور بات يقارن بين ما يراه محليًا وبين الإنتاجات الأجنبية المتاحة على المنصة ذاتها.ومع ذلك، تظل الدراما المصرية قادرة على الاحتفاظ بمكانتها، بفضل تاريخها الطويل وقربها من الوجدان الشعبي. وربما يكون التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة هو القدرة على التوفيق بين إرضاء الذوق التقليدي للمشاهد العادي، وبين تلبية متطلبات الجيل الجديد الذي يستهلك المحتوى الرقمي بكثافة.إن صعود المنصات الرقمية لا يعني نهاية الدراما التلفزيونية كما عرفناها، لكنه بلا شك غيّر قواعد اللعبة. فالمشاهد المصري اليوم أكثر وعيًا، وأقل صبرًا، وأكثر تطلعًا إلى جودة تضاهي ما يشاهده عالميًا. وبين هذا وذاك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح الدراما المصرية في إعادة تعريف نفسها بما يتناسب مع عصر المنصات، أم تترك المجال لمن يجيدون مخاطبة هذا الذوق الجديد؟

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.