على مدى خمسة عقود، اعتاد سكان واشنطن العاصمة وطلابها وزوارها من أنحاء العالم ارتيادَ المتاحف والفصول الدراسية والمطاعم، وهم واثقون أن المدنيين من حولهم لا يحملون أسلحة قاتلة في الأماكن العامة، ولا ينبغي لهم ذلك.وفي الأسبوع الماضي، تراجعت جانين بيرو، الإعلامية السابقة في شبكة «فوكس نيوز» والمدعية العامة الأميركية الحالية، عن تلك السياسة الراسخة، فأعلنت أن مكتبها لن يواصل بعد الآن ملاحقةَ منتهكي القانون الذي يحظر حمل الأسلحة الطويلة ومخازن الذخائر ذات السعة العالية في العلن كجناية. وفي أسوأ الحالات، قد يواجه المخالفون مجردَ تهمة جنحة لحيازتهم سلاحاً غير مسجل.ويثير هذا التراجع بعض البلبلة بين مالكي الأسلحة وأجهزة إنفاذ القانون على حد سواء، ويزيد من خطورة وعنف الجرائم المسلحة. وهو خطر مضاعف بالنسبة لواشنطن، باعتبارها عاصمة البلاد التي تواجه مخاطر أمنية فريدة.أما التبرير القانوني الذي تستند عليه بيرو، مستشهدةً بقرارات المحكمة العليا في قضية «مقاطعة كولومبيا ضد هيلر» عام 2008، والتي أبطلت حظر حمل الأسلحة النارية في العاصمة، وقضية «جمعية بنادق ومسدسات ولاية نيويورك ضد بروين» عام 2022، التي قيدت قدرة الولايات على فرض قوانين السلاح، فهو يبرهن على عدم إلمام بتلك القرارات. فالمحكمة العليا لم تقضِ بأن حظر حمل السلاح العلني ينتهك التعديل الثاني في الدستور الأميركي.والأمر المؤكد أن الامتناع عن ملاحقة مَن ينتهكون قوانين السلاح في العاصمة واشنطن ستكون له عواقب وخيمة، إذ يعرِّض بعضَ المؤسسات الفيدرالية الحساسة لخطر غير ضروري، ويهدد حياةَ مئات الآلاف من السكان وملايين الزوار.ويوجد بالفعل نحو ألفي جندي فيدرالي مسلح ينفذون دوريات في واشنطن، غالبيتهم من خارج الولاية ويعملون في بيئة غير مألوفة لهم. لذا، من شأن السماح بوجود مدنيين مسلحين، دون توضيح ما إذا كانوا سيُلاحقون قانونياً، لحملهم السلاح في الأماكن العامة، مضاعفة المخاطر وإثارة الخوف والترهيب لدى سكان العاصمة وزوارها.وللأسف، لدى واشنطن خبرة حديثة مع مثل هذه التهديدات، فقد ساعد حظر حمل السلاح العلني في إنقاذ الوضع أثناء هجوم السادس من يناير 2021 على مبنى الكونغرس ومنع تحوله إلى مجزرة دموية بعدد هائل من الضحايا. وحالياً، ومع الإعلان عن أن أفراد الحرس الوطني سيُسمح لهم بحمل الأسلحة النارية، أصبحت عاصمة البلاد أشبه بـ «برميل بارود» قابل للاشتعال. ومع استمرار احتمالات الاضطرابات، قد يرى المتطرفون، ومن يصفون أنفسهم بالحراس، في هذه السياسة دعوةً مفتوحة للتجول في شوارع العاصمة حاملين أسلحةً خطيرة، دون أي تهديد بالملاحقة القضائية. والخطر هنا متبادل، فإذا اجتذب استيلاء ترامب على الحكم أفراداً أو جماعات متطرفة معارضة، فسيكون من الصعب على السلطات المحلية والفيدرالية التمييز بين التهديدات الحقيقية ومنع تصاعدها إلى العنف.وإذا كان الهدف هو تقليص معدلات الجريمة في العاصمة، التي كانت بالفعل قد وصلت إلى أدنى مستوياتها مؤخراً، فهذا ليس هو الطريق الصحيح. وهناك وسائل مثبتة لخفض الجريمة في المدن الأميركية والعاصمة، تتمثل في التعاون مع المجتمعات المحلية، وتمويل برامج تدخل فعالة، وتطبيق القانون على أرض الواقع. وهكذا تخفّض الولايات والمدن العنفَ ببساطة. غير أن تلك هي الإجراءات التي تحاول الإدارة التراجعَ عنها، بدءاً من إضعاف سلطات مكتب الكحول والتبغ والأسلحة النارية، وحتى تقليص الاستثمارات التي يفرضها الكونغرس في برامج التدخل المجتمعي لمكافحة العنف. ولا شك في أن من شأن ذلك أن يهدد التقدمَ الذي أحرزته العاصمة بعد تصاعد الجريمة خلال الجائحة. وعلى عكس تدخل الإدارة الفيدرالية السابقة في قيادة أجهزة إنفاذ القانون بالعاصمة، فإن هذا التحول الخطير في سياسة ملاحقة الجرائم لا يمكن للكونغرس التراجعَ عنه بعد مرور 30 يوماً. وسيحتاج سكان واشنطن إلى حشد دعم وطني لمواجهة سياسة «السلاح في كل مكان»، والرجوع عن هذا التغيير في أسلوب الحياة بالعاصمة.


