dhl
dhl

أزمة طب جنوب الوادي.. رسوب جماعي يفتح ملف التعليم الجامعي في مصر

القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

شهدت كلية الطب بجامعة جنوب الوادي واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل خلال السنوات الأخيرة، بعدما أعلنت النتائج النهائية لطلاب الفرقة الأولى، لتكشف عن رسوب أكثر من ستين في المئة من الطلاب وفصل أكثر من مئة طالب دفعة واحدة، وهو ما أثار تساؤلات واسعة حول واقع التعليم الجامعي في مصر ومدى جاهزية الطلاب لمواجهة متطلبات الدراسة في كليات القمة.الأرقام التي خرجت من الجامعة جاءت صادمة؛ إذ لم ينجح سوى أقل من أربعين في المئة من إجمالي الطلاب، بينما فشل البقية في اجتياز الامتحانات. ولم يحصل أي طالب على تقدير “ممتاز”، في حين أن نسبة من نالوا تقدير “جيد جداً” لم تتجاوز أصابع اليد الواحدة، أما الأغلبية فكانت بين الرسوب أو النجاح بأقل الدرجات. هذه النتائج انتهت إلى فصل أكثر من مئة طالب بعدما تجاوزوا مرات الرسوب المقررة في اللوائح الجامعية، وهو ما عُدّ ضربة موجعة لأحلام مئات الأسر التي كانت ترى في أبنائها مشروع أطباء المستقبل.رئيس الجامعة الدكتور أحمد عكاوي أوضح أن القرارات تستند إلى القوانين واللوائح، مؤكداً أن “العلم لا يعرف العاطفة”، وأن الجامعة وفرت بيئة دراسية مناسبة وحاربت مظاهر الغش، ولم تسمح بانتقال أي طالب إلى مرحلة أعلى إلا بعد استيفاء شروط النجاح. ورغم أن هذه التصريحات تحمل وجهاً منطقياً، إلا أنها فتحت الباب لنقاش أوسع حول جوهر الأزمة: هل تكمن المشكلة في الطلاب وحدهم أم في المنظومة التعليمية بأكملها؟الحقيقة أن الأزمة تتجاوز حدود جامعة واحدة.

فطلاب الثانوية العامة يصلون إلى مقاعد كليات الطب والهندسة والصيدلة بأرقام مرتفعة في الشهادات، لكنهم يكتشفون سريعاً أنهم أمام نظام مختلف يعتمد على الفهم والتحليل بلغة أجنبية، في حين أن سنواتهم الدراسية السابقة كانت قائمة على الحفظ والتلقين. وهنا تظهر الفجوة التي تجعل طلاباً اعتُبروا متفوقين عاجزين عن مجاراة متطلبات الكلية.ولعل ما يزيد الأزمة تعقيداً هو النظرة الاجتماعية السائدة التي ترى في كلية الطب “قمة المجد التعليمي”، فيندفع كثير من الشباب وأسرهم لاختيارها فور توفر المجموع اللازم، دون أن يحسبوا حساباً لما تتطلبه من جهد متواصل وصبر طويل وساعات دراسة قاسية. فيتوه الطالب بين طموح الأسرة وضغط المجتمع، وبين قدراته الحقيقية التي قد لا تحتمل هذا العبء الكبير. وهكذا تتحول أحلام الطب إلى كابوس رسوب متكرر وانكسار مبكر.ضعف التدريب على البحث العلمي، قلة الاهتمام بتنمية مهارات التفكير النقدي، اعتماد الكثير من الطلاب على الدروس الخصوصية بدلاً من التفاعل مع القاعات الجامعية، كل ذلك يجعل النتيجة الحتمية رسوباً جماعياً أو نجاحاً محدوداً. وما حدث في جنوب الوادي ليس سوى انعكاس لواقع يعانيه التعليم المصري من المدرسة حتى الجامعة.إن أخطر ما في الأمر أن هؤلاء الشباب الذين يفصلون من الجامعة يجدون أنفسهم فجأة أمام مستقبل مجهول، بعدما ضاعت منهم سنوات العمر في المحاولة، وأُغلقت في وجوههم أبواب حلمٍ لطالما تغنّت به عائلاتهم. وفي ظل غياب بدائل حقيقية لإعادة تأهيلهم أو دمجهم في مسارات تعليمية مختلفة، يصبح المجتمع نفسه خاسراً، لأنه يهدر طاقات بشرية كان يمكن أن تُستثمر في مجالات أخرى. إن فصل مئة طالب من كلية الطب ليس مجرد رقم إداري، بل مأساة إنسانية تلخص كيف يمكن لثغرات المنظومة التعليمية أن تحطم أحلام جيل بأكمله.واقعة كلية الطب بجنوب الوادي ليست مجرد خبر عابر في صفحات الحوادث الجامعية، بل هي مرآة تعكس حال التعليم المصري في لحظته الراهنة. هي رسالة واضحة تقول إن الوقت قد حان لمراجعة شاملة للمناهج، وأساليب التدريس، وآليات التقييم، حتى لا يبقى الطالب مجرد رقم في كشف نجاح أو رسوب، وإنما مشروع عقل واعٍ قادر على أن يصنع فارقاً في حياته وحياة وطنه.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.