dhl
dhl

السكّر واللحوم المعالَجة.. أعداء صامتة تهدد قلبك”

“القاهرة – أميرة المُحمَّدي:

لم تعد أمراض القلب مرتبطة فقط بالعوامل الوراثية أو التقدّم في العمر، بل أصبح نمط الحياة الغذائي أحد أبرز المحددات لصحة القلب والشرايين. وفي مقدمة هذه الأنماط الغذائية غير الصحية تأتي اللحوم المعالَجة والحلويات، اللذان تحوّلا إلى جزء أساسي من موائد الكثيرين حول العالم، رغم ما يحملهما من مخاطر خفيّة قد لا تظهر إلا بعد سنوات.تشير الدراسات الطبية إلى أن اللحوم المعالَجة – مثل النقانق، اللانشون، السلامي واللحوم المحفوظة بالمواد الكيميائية – تحتوي على نسب مرتفعة من الصوديوم والدهون المشبّعة والمواد الحافظة مثل “النترات” و”النتريت”. هذه العناصر تساهم في رفع ضغط الدم وتصلّب الشرايين، مما يزيد من احتمالات الإصابة بالأزمات القلبية والجلطات الدماغية. ولا يقتصر الخطر على الكميات الكبيرة فقط، بل إن الاستهلاك المنتظم ولو بكميات محدودة قد يؤدي إلى تراكم الضرر تدريجياً.أما الحلويات الغنية بالسكّريات المكرّرة والدهون الصناعية فهي الوجه الآخر للعملة. فالإفراط في تناولها لا يقتصر على زيادة الوزن أو رفع مستويات السكر في الدم، بل يؤدي أيضاً إلى ارتفاع نسبة “الدهون الثلاثية” في الدم، وهي من أبرز العوامل المؤثرة على صحة القلب. ومع مرور الوقت، يضعف البنكرياس أمام الإفراط في إفراز الأنسولين، مما يفتح الباب أمام مرض السكّري من النوع الثاني، وهو بدوره من أقوى عوامل الخطر على القلب.الأمر الأكثر خطورة أن كلا الصنفين – اللحوم المعالَجة والحلويات – يجتمعان في نمط غذائي يُعرف بـ”النظام الغربي السريع”، وهو النظام الذي يعتمد على الأطعمة الجاهزة والوجبات السريعة.

هذا النمط يفتقر إلى الألياف والفيتامينات والمعادن الضرورية لصحة القلب، ويؤدي إلى ما يُسمّى بـ”الالتهاب المزمن منخفض الدرجة”، وهو حالة خفية تضعف جدران الأوعية الدموية وتزيد من احتمالات انسدادها.لكن الصورة ليست قاتمة تماماً؛ فالعلم الحديث يؤكد أن التغيير في النظام الغذائي حتى ولو في مرحلة متأخرة يمكن أن يقلل بشكل ملموس من هذه المخاطر. استبدال اللحوم المعالَجة باللحوم الطازجة أو الأسماك، وتقليل الاعتماد على السكّريات المكرّرة لصالح الفواكه الطبيعية، يساهم في تحسين ضغط الدم، وخفض مستويات الكوليسترول الضار، وتعزيز صحة الشرايين. كما أن إدخال عناصر مثل الحبوب الكاملة، المكسرات، زيت الزيتون، والخضروات الورقية يمكن أن يشكّل “درعاً واقياً” يحمي القلب من الأزمات.إنّ ما نستهلكه يومياً من طعام ليس مجرد مصدر للطاقة، بل هو العامل الأول في بناء صحة القلب أو هدمها. اللحوم المعالَجة والحلويات قد تبدو مغرية وسهلة التناول، لكنها في الحقيقة أعداء صامتة تعمل بصمت على إضعاف القلب وتهديد حياة الإنسان. ويبقى الخيار بيد الفرد: إما أن يخضع لهذه المغريات، أو أن يختار طريق الوعي والاعتدال ليحيا بقلب ينبض قوة وصحة.وإنّ الحفاظ على صحة القلب ليس رفاهية طبية، بل هو حماية للحياة ذاتها. فالقلب الذي يتوقف فجأة لا يُفقد صاحبه وحده، بل يترك خلفه أسرة مكلومة وأحلاماً غير مكتملة. والاختيار البسيط بين قطعة لحم مُعالَجة أو وجبة صحية، وبين قالب حلوى غني بالسكّر أو ثمرة فاكهة طازجة، قد يكون في حقيقته اختياراً بين المرض والعافية، وبين الحياة والموت.فالقلب ليس مجرد عضلة تنبض، بل هو رمز للحياة والعطاء والأمل. وكل خطوة نخطوها نحو غذاء متوازن واعٍ هي في الواقع خطوة لحماية مستقبلنا، ومستقبل من نحب. ولعلّ أعظم هدية يمكن أن يمنحها الإنسان لنفسه ولأسرته هي قلب سليم قادر على أن يستمر في النبض، لا لسنوات قليلة، بل لعمر مديد مليء بالحيوية.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.