القاهرة – أميرة المُحمَّدي:
لم يعد السفر يعني الاستجمام على الشواطئ الذهبية أو التجوّل بين المعالم التاريخية وحدها، بل أصبح المغامرة ذاتها هي الوجهة. ومن بين أكثر الوجهات غرابة وإثارة في السنوات الأخيرة برز القطب الشمالي كأحد المقاصد السياحية الجديدة التي تستقطب شريحة محدودة من المسافرين: الأثرياء الباحثين عن تجارب استثنائية لا تشبه شيئاً مما اعتادوا عليه.في هذا الركن المتجمّد من العالم، حيث درجات الحرارة قد تهبط إلى ما دون الأربعين تحت الصفر، وحيث الليل الطويل قد يستمر أشهراً، يجد هؤلاء الزائرون متعة نادرة في مواجهة الطبيعة في أقسى صورها. إنها سياحة لا تناسب إلا من يمتلك القدرة المالية والإصرار الجسدي، لأن كلفة الرحلة الواحدة قد تصل إلى عشرات الآلاف من الدولارات، بينما تتطلب التجربة استعداداً بدنيّاً ونفسياً لمواجهة أقصى الظروف.يقدَّم للزوار هناك برامج مصممة بدقة، تبدأ من الإقامة في فنادق جليدية نُحتت جدرانها وأثاثها من الثلج، مروراً برحلات التزلج على الجليد وقيادة الزلاجات التي تجرها الكلاب، وصولاً إلى مغامرات أكثر جرأة كالغوص تحت الجليد أو ركوب الغواصات لاستكشاف الحياة البحرية القطبية. أما المشهد الأكثر إبهاراً فيظل هو مشاهدة الشفق القطبي بألوانه الخلّابة التي تلوّن السماء في لوحة سحرية لا تضاهى.ويُنظر إلى هذه السياحة على أنها رمز جديد للترف؛ فبينما يفضّل السائح العادي الوجهات الدافئة، يختار الأثرياء مواجهة الصقيع لأن التجربة نادرة وغير مكرّرة. وقد دخلت شركات سياحية كبرى على خط المنافسة لتقديم باقات فاخرة تشمل خدمات شخصية، ومرافقة خبراء في الحياة البرية، بل وحتى توفير طهاة عالميين يعدّون الطعام في قلب الجليد.لكن وراء هذا البريق، تلوح تساؤلات أخلاقية وبيئية؛ فالسفر إلى القطب الشمالي يرتبط بزيادة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن الطائرات وكاسحات الجليد. كما يخشى العلماء أن يؤدي ازدياد الحركة البشرية في تلك المناطق الهشّة بيئيّاً إلى تهديد الحياة البرية النادرة، من الدببة القطبية إلى الفقمات والطيور المهاجرة.
وهنا يظهر الوجه الآخر لهذه المغامرة: كيف يمكن للإنسان أن يستمتع بجمال الطبيعة دون أن يدمّرها؟وما يزيد الأمر تعقيداً هو التنافس الدولي على سياحة القطب الشمالي، حيث تسعى دول مثل النرويج وفنلندا إلى تقديم تجارب سياحية صديقة للبيئة تعتمد على الطاقة النظيفة وتراعي خصوصية الحياة البرية، بينما تعرض كندا رحلات مغامرة طويلة تشمل استكشاف الجزر القطبية وزيارة القرى الأصلية. أما روسيا، فقد طرحت برامج سياحية تعتمد على كاسحات الجليد النووية للوصول إلى أقصى الشمال، محاولةً استثمار موقعها الجغرافي الفريد. هذا التنافس لا يقتصر على استقطاب السائح الثري فحسب، بل يمتد إلى إبراز النفوذ السياسي والاقتصادي في منطقة يُنظر إليها اليوم على أنها كنز طبيعي واستراتيجي للمستقبل.إنها مغامرة تشبه رحلة إلى نهاية العالم، رحلة لا تُقاس بالمسافة بقدر ما تُقاس بالدهشة. ومع ذلك، تبقى مقصورة على نخبة قليلة قادرة على دفع تكلفتها الباهظة وتحمل مشقتها. وبينما يحلم الكثيرون بمشاهدة الشفق القطبي أو السير على أرض متجمّدة تمتد بلا نهاية، يظل القطب الشمالي حلماً بعيد المنال، عنوانه التجربة النادرة، والترف المختلف، والسياحة التي لا تشبه شيئاً آخر.ولعل الأهم أن هذه الرحلات لم تعد مجرد تجربة شخصية، بل أصبحت وسيلة لإبراز المكانة الاجتماعية؛ فمن يخوض مغامرة الوصول إلى القطب الشمالي يُنظر إليه بوصفه شخصاً متفرّداً، يمتلك الجرأة والإمكانات المالية لخوض مغامرة تتجاوز حدود المألوف. إنها سياحة تمنح أصحابها شعوراً بالتميز والتفرد، وتجعل من صورهم على الجليد أو تحت ألوان الشفق القطبي شهادة على أنهم من بين القلائل الذين عانقوا أقصى الأرض بجرأة ورفاهية في آن واحد.





