dhl
dhl

(حوار خاص)..صفاء عسران: “أحلم ببلد لا يُورَّث فيها ثأر”

القاهرة – أميرة المحمدي:

وسط أجواء تسودها تحديات اجتماعية وثقافية، تبرز صفاء عسران كصوتٍ نسائي استثنائي، اختار أن يقف في مواجهة مجتمع يُرهقه الثأر وتُحاصره الدماء، لتصبح رمزًا للقوة والإصرار ومحاربة الظلم. لم تخشَ صفاء أن تخوض طريقًا صعبًا، فكانت المرأة الوحيدة في مواقف تجمع بين كبار رجال الصعيد في نزاعات دموية معقدة، وتظل رغم ذلك قادرة على فرض احترامها بصوت الحق وبقلب يفيض بالإنسانية والصلابة.

وفي مجتمع يغلب عليه الطابع القبلي وتغمره موروثات الثأر والصراعات الممتدة، ظهرت امرأة صعيدية بقلب جريء ورؤية إنسانية غير مسبوقة: صفاء عسران، مؤسس ورئيسة مؤسسة صعيد بلا ثأر. استطاعت أن تحوّل الألم الشخصي إلى رسالة عامة، وأن تصنع من آمال طفلة شهدت العنف دمًا، حلمًا وطنيًا يحقن الدماء ويعيد الإنسانية إلى الواقع.

• من طفلة شهدت الرصاص.. إلى صانعة سلام في صعيد مصر

تحكي صفاء أنها لم تكن تتجاوز العاشرة من عمرها حين شهدت أول مشهد ثأري بعينيها. كانت تحتضن أختها بجلبابها بينما تطلق الأعيرة النارية في قريتها. كان الفزع يسكن العيون الصغيرة، لكن زرع في قلبها رؤية ستظهر بعد سنوات:“كنت بحمي أختي وأقول جوايا ليه الدم؟ ليه العنف؟ من هنا بدأ الحلم: صعيد بلا ثأر.”كبرت صفاء وظل الحلم ينمو معها حتى قررت أن تقتحم مجالًا شديد الرجالية: المجالس العرفية. لم يُسمح لها في البداية بالحضور كفتاة، فدخلت بصفتها «صحفية» لتغطية الجلسات. ثم أصبحت جزءًا لا يتجزأ منها، حتى تأسست المؤسسة رسميًا عام 2023.

• 725 صلح ثأر.. وإنقاذ 7 ملايين إنسان من دوائر الدم

منذ إطلاق مبادرة “صعيد بلا ثأر” عام 2013، تمكّنت صفاء وفريقها من تنفيذ 725 حالة صلح ثأري بين العائلات والقبائل في صعيد مصر، ما أدى لإنهاء دوائر الدم وتأمين حياة قرابة سبعة ملايين إنسان، وإعادة آلاف الشباب إلى حياتهم الطبيعية بعد أن أمضوا سنوات مطاردين في الجبال.

وقد نظمّت المؤسسة حدثًا محوريًا وهو: “يوم التسامح المصري السنوي”، الذي يجمع عائلات أنهت ثأرها في احتفال موحد يضم مسلمين ومسيحيين ورموزًا دينية واجتماعية. وشهد رمضان الماضي أول مائدة إفطار جماعي في العالم بين أسرٍ كانت بينها دماء.يوم التسامح المصري – حدث تاريخي أسست صفاء عسران، رئيسة مؤسسة صعيد بلاثأر، يوم التسامح المصري السنوي بحضور ودعم مفتي الجمهورية الأسبق الدكتور علي جمعة، ومؤسسة مصر الخير، ووزير الشباب والرياضة، ووزارات التنمية المحلية والتضامن الاجتماعي.

كما أسست أول مائدة إفطار جماعي في العالم جمعت أسرة القاتل وأسرة المقتول، لتعزيز الصلح ولم شمل الأسر المتصالحة في الدم، بمشاركة 752 حالة ثأر بالتعاون مع العمد والمشايخ والعائلات وكبار القبائل.ولأول مرة منذ قرون، اهتمت صفاء عسران بالقاضي العرفي وجعلت دوره رسميًا ومعتمدًا، محوّلة العرف من المضايف التقليدية إلى صورة رسمية، مما يمثل خطوة تاريخية في دمج العادات المحلية مع المؤسسات الرسمية للدولة.

• قصص إنسانية تكتب بماء الدموع والأمل

لم يكن عمل صفاء مجرد إبرام اتفاقات، بل ملامسة للقلوب، خاصة حين واجهت موقفًا مؤثرًا مع رجل مسن فقد ابنه في ثأر طويل .قبّلت رأسه ووعدته بعمرة، ونفذت وعدها فورًا بتواصل مؤسسة صعيد بلا ثأر مع الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية الذي منح الرجل رحلة عمرة. لكن القدر اختار له الرحيل قبل التنفيذ، فقام ابنه بالعمرة نيابة عنه ولأخيه الراحل.وفي موقف آخر، جاءتها سيدة فقدت أبناءها الثلاثة في ثأر، وكانت تبكي بحرقة، فقررت مؤسسة صعيد بلا ثأر أن تمنحها رحلة عمرة ليخفف الله عنها، وبما أن السيدة لم يكن لها أهل يودعونها، نظّم لها فريق صعيد بلا ثأر وداعًا حافلًا في المطار، ليؤكّدوا لها أنها لم تعد وحدها.

• شهامة الصعيد.. وقيم الرجولة التي تصنع السلام

تؤكد صفاء أن الرجل الصعيدي، برغم ارتباطه بالعادات، يتحلى كذلك بالشهامة التي تساعد على بناء السلام. وتحكي أنها كانت في المنيا للعمل على إجراءات صلح بين طرفين لا يلتقيان إلا يوم الصلح، ورغم الخلاف العميق، اتحد الطرفان في أمر واحد: ضمان سلامتها وسلامة قدومها. في البرد القارس، منحها أحدهم جاكتًا رجاليًا ليحميها من البرد، بينما عرض الآخر أن يوصلها بنفسه.“ده مشهد مش بنساه، الصعيد جواه شهامة، ولو وجهناها صح، هنقدر نكتب صعيد بلا ثأر وبلا دماء.

• دعوة للتعاون الإنساني

تسعى مؤسسة صعيد بلا ثأر اليوم لتوسعة نطاق عملها عربيًا، وقد وجّهت صفاء رسالة رسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة تطلب فيها بحث توقيع بروتوكول تعاون إنساني، لتبادل الخبرات ونشر ثقافة التسامح وحل النزاعات سلمياً.

• في ختام الحوار

صفاء عسران ليست فقط مؤسسة لمنظمة اجتماعية… بل هي امرأة أعادت تعريف القوة والقيادة في صعيد مصر، وبنت جسورًا بين الدم والصلح، وبين العرف والإنسانية.

رسالتها واضحة:“صعيد بلا ثأر مش حلم… ده حق لكل طفل يولد وعايز يكبر في سلام

“فهي ليست مجرد شخصية عامة أو سيدة مجتمع تمارس دورًا اعتباريًا، بل هي نموذج حي لـ”ست بميت راجل” كما يصفها كثيرون من أهل الصعيد. أظهرت أنها لا تحتاج إلى عضلات لتكون صاحبة تأثير، بل يكفيها إيمانها بما تفعل وشجاعتها في قول كلمة الحق، حتى وهي تقف وحيدة بين رجال العائلات المتخاصمة، تقنع هذا وتطمئن ذاك، تجبر القلوب قبل أن تصلح بينها.وبعقل واعٍ وقلب ثابت، استطاعت صفاء أن تصنع لنفسها مكانًا رياديًا في مساحات كانت حكرًا على الرجال. لم تكن تخجل من التوغل في صميم الخصومات، بل كانت تفتح بيوتًا غارقة في الحزن وتعيد لها الحياة.

أصبحت قدوة لكل فتاة مصرية طموحة آمنت بأن القيادة لا تتطلب صوتًا مُرتفعًا بقدر ما تتطلب روحًا ثابتة ومواقف حقيقية.صفاء عسران اليوم ليست مجرد سيدة تعاملت مع عشرات قضايا الثأر؛ هي أمٌّ روحية لكل من فقد الأمل، وصوت كل امرأة قادرة على تغيير المجتمع دون أن تتخلى عن أنوثتها أو إنسانيتها. وهي بذلك ترسل رسالة قوية لكل بنت وشابة: “نعم، يمكنكِ. يمكنكِ أن تكوني صوتًا مسموعًا، وفاعلًا مؤثرًا، وصانعة تغيير مهما كانت التحديات.”

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.