القاهرة _ أميرة المحمدي:
شهدت العيادات الحكومية في مصر خلال الفترة الأخيرة موجة من القرارات والإجراءات التي أعلنتها وزارة الصحة بهدف رفع كفاءة الخدمة وتحسين تجربة المريض، في إطار خطة أوسع لإعادة هيكلة منظومة الرعاية الصحية الأساسية وتخفيف العبء عن المستشفيات الكبرى. هذه القرارات شملت التوسع في المبادرات الصحية، وزيادة الاعتماد على التحول الرقمي، وتحسين نظم الحجز والمتابعة، إلى جانب دعم بعض الوحدات بالأجهزة والكوادر، وهو ما فتح باب التساؤل: هل انعكس ذلك فعليًا على مستوى الخدمة التي يتلقاها المواطن داخل العيادة الحكومية؟على أرض الواقع، تمثل العيادات الحكومية خط الدفاع الأول في المنظومة الصحية، فهي الأقرب للمواطن والأكثر انتشارًا في المدن والقرى، كما أنها تستقبل يوميًا أعدادًا ضخمة من المرضى، خاصة من محدودي ومتوسطي الدخل. ومع إطلاق مبادرات موسعة للكشف المبكر عن الأمراض المزمنة وتقديم خدمات الفحص والعلاج المجاني، زاد الإقبال على هذه العيادات بشكل ملحوظ، وهو ما اعتبره البعض مؤشرًا إيجابيًا على استعادة الثقة، بينما رآه آخرون ضغطًا إضافيًا على وحدات لم تُمنح بعد الإمكانات الكافية لاستيعاب هذا التوسع في الطلب.التحسينات التي تم الإعلان عنها تضمنت تطوير أنظمة التسجيل والحجز الإلكتروني في بعض المناطق، وتقليل الاعتماد على الدفاتر الورقية، ومحاولات ربط الملفات الطبية للمريض بقاعدة بيانات رقمية، بما يسمح بمتابعة حالته الصحية بشكل أدق. هذه الخطوات، حيثما طُبقت فعليًا، ساعدت في تقليل وقت الانتظار وتنظيم تدفق المرضى نسبيًا، كما سهلت إجراءات صرف العلاج والمتابعة الدورية. لكن التطبيق ما زال غير متكامل في كل الأماكن، إذ تختلف درجة الجاهزية الرقمية من محافظة لأخرى، ومن وحدة صحية لأخرى.كما ركزت القرارات الأخيرة على دعم الرعاية الأولية والوقائية، من خلال تكثيف حملات الفحص المجاني للأمراض المزمنة مثل الضغط والسكر، وصحة المرأة، والكشف المبكر عن بعض الأورام، إضافة إلى متابعة صحة الأطفال وكبار السن. هذا التوجه نقل جزءًا من العبء من مرحلة العلاج المتأخر إلى الوقاية المبكرة، وهو تطور مهم مهنيًا وصحيًا، إلا أن نجاحه يرتبط بقدرة العيادات على الاستمرار في تقديم الخدمة بنفس الكفاءة بعد انتهاء الحملات، وليس فقط أثناء فترات المبادرات المكثفة.في المقابل، لا تزال هناك تحديات واضحة يشير إليها المواطنون والأطقم الطبية على حد سواء، من بينها كثافة أعداد المترددين مقارنة بعدد الأطباء في بعض التخصصات، ونقص بعض الأدوية أو المستلزمات في أوقات متفرقة، إضافة إلى ضغط الوقت داخل العيادة، ما يقلل من مدة الكشف ويؤثر على مستوى التواصل بين الطبيب والمريض. بعض المرضى يؤكدون أن الخدمة تحسنت من حيث التنظيم وتوافر بعض الفحوصات، لكنهم يشكون من طول فترات الانتظار أو صعوبة الحصول على تخصصات دقيقة داخل نفس الوحدة.الكوادر الطبية تمثل عنصرًا حاسمًا في تقييم مستوى الخدمة، وقد تضمنت التحركات الرسمية الحديث عن برامج تدريب ورفع كفاءة، لكن التحدي يبقى في توزيع الأطباء وتحفيزهم على الاستمرار في الوحدات ذات الضغط العالي، خاصة في المناطق البعيدة. فحتى مع توفر الأجهزة، تظل جودة الخدمة مرتبطة بوجود فريق طبي كافٍ ومدرب ولديه وقت كافٍ لكل حالة، وهو ما لا يتحقق دائمًا بنفس الدرجة في جميع العيادات.من ناحية أخرى، ساهم تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل في المحافظات التي دخلت المنظومة في إحداث فارق ملحوظ نسبيًا في مستوى بعض الوحدات، سواء من حيث التجهيز أو نظم المتابعة أو توافر الخدمات، ما يقدم نموذجًا يرى فيه البعض صورة لما يمكن أن تكون عليه العيادات الحكومية إذا توافر التمويل والإدارة الحديثة بشكل مستقر. لكن تعميم هذا المستوى على كل المحافظات ما زال يحتاج وقتًا واستثمارات أكبر.التقييم الموضوعي يشير إلى أن هناك تحسنًا فعليًا في بعض الجوانب: توسع في الخدمات الوقائية، تنظيم أفضل في بعض أماكن تقديم الخدمة، إدخال أدوات رقمية، وزيادة عدد المبادرات العلاجية المجانية. لكن في الوقت نفسه، لا يزال هذا التحسن غير متساوٍ، ويتأثر بعوامل المكان والكثافة السكانية وتوافر الكوادر والإدارة المحلية. لذلك يمكن القول إن القرارات الأخيرة وضعت أساسًا مهمًا للتطوير، لكنها لم تصل بعد في كل المواقع إلى مستوى نقلة نوعية يشعر بها كل مريض يدخل عيادة حكومية.الصورة الحالية إذن ليست فشلًا ولا نجاحًا كاملًا، بل مرحلة انتقالية تحمل مؤشرات إيجابية تحتاج إلى استمرارية، ومتابعة ميدانية، وربط أوضح بين القرار المركزي والتنفيذ الفعلي داخل كل وحدة صحية، حتى تتحول وعود التطوير إلى تجربة يومية ملموسة للمواطن.


