وسط احتياجنا إلى بعض الأخبار السارة حالياً، هناك خبر جيد غير متوقع، حيث تشير دراسة جديدة مهمة إلى وجود طريقة فعالة للغاية للتغلب على إحدى أكثر المشكلات استعصاء في أميركا في القرن الـ21، ألا وهي الفقر المتوارث بين الأجيال. ويتصور الأميركيون بأن دولتهم هي أرض الفرص، لكن الباحثين وجدوا أن الحلم الأميركي بالارتقاء الاجتماعي اليوم أكثر حيوية في دول متقدمة أخرى.وتسلط الدراسة الجديدة الضوء على طريقة فعالة لتعزيز الفرص، لكنها لا تتضمن توزيع الأموال، بل إنها تُغطي تكاليفها بنفسها تقريباً. وتعمل من خلال أكبر تسخير موجود على الأطفال، وهو تأثير نظرائهم وأصدقائهم.وتُعد تلك الدراسة الحديثة أحدث اكتشاف مهم يتوصل إليه راج شيتي، الخبير الاقتصادي بجامعة هارفارد، وفريقه من الباحثين الذين بحثوا في الآثار طويلة الأمد لبرنامج ضخم لإحياء الأحياء السكنية يُعرف باسم «هوب 6»، الذي بدأ عام 1993، واستثمر 17 مليار دولار لاستبدال 262 مشروعاً سكنياً في مناطق ذات معدلات فقر مرتفعة في أنحاء أميركا.هل تتذكرون مشروعي الإسكان «كابريني-غرين» و«روبرت تايلور» في شيكاغو، اللذين كانا يعانيان من ارتفاع معدلات الجريمة وسوء الإدارة، واللذين أخلتهما الحكومة ثم هدمهما؟ كان هذا هو مشروع «هوب 6»، الذي استبدلهما بمساكن مختلطة الدخل، مما يعني تقليل عدد الوحدات السكنية المخصصة للفقراء، وهو أمر أثار جدلاً واسعاً. وقد احتج منتقدون على أن التغيير كان يضر بالفئات الأكثر هشاشة، مع انتقال المزيد من الأثرياء إلى أحياء كانت مخصصة حصرياً لذوي الدخل المنخفض.وعندما قام فريق «تشيتي» بتحليل بيانات الدخل، كانت إحدى نتائج دراسة «هوب 6» مخيبة للآمال للغاية: لم يستفد البالغون الذين سكنوا في وحدات الإسكان العام الجديدة اقتصادياً. وهذا يتوافق مع دراسات أخرى: فإحداث تغيير جذري في حياة البالغين أمر صعب.لكن هنا يكمن نجاح إعادة التطوير: فالأطفال الذين انتقلوا إلى مساكن عامة في الأحياء المُعاد تطويرها ذات الدخل المختلط، مكثوا فيها خمس سنوات فقط في المتوسط، لكنهم شهدوا زيادة بنسبة 17% في احتمالية التحاقهم بالجامعة، وانخفاضاً بنسبة 20% في احتمالية دخولهم السجن بين الأولاد. وخلصت الدراسة إلى أن أولئك الذين عاشوا في المساكن الجديدة طوال طفولتهم سيكسبون 50% أكثر على مدار حياتهم.فما سر هذا النجاح؟ لم يكن السبب هو السكن الأفضل بحد ذاته. ومن المفترض أن العائلات قدرت السكن العام الأفضل والأحياء الأكثر أماناً، لكن الشقق المحسنة وحدها لم تقضِ على الفقر. بل ازدهر الأطفال من الأسر ذات الدخل المنخفض بسبب أمر يصعب الحديث عنه، وهو أنهم كونوا أصدقاء مع أطفال من أسر ذات دخل مرتفع، وبالتالي اطلعوا على أنماط حياة الطبقة المتوسطة وتطلعاتها.لم يكن السبب هو السكن الأفضل بحد ذاته، فمن المفترض أن العائلات قدرت جودة السكن العام والأحياء الأكثر أماناً، لكن الشقق المحسنة وحدها لم تقضِ على الفقر. قال شيتي: «إن أقوى مؤشر للحراك الاقتصادي بين المناطق هو نسبة الأصدقاء ذوي الدخل المرتفع الذين لديهم أصدقاء من ذوي الدخل المنخفض. وفي المجتمعات التي تشهد تفاعلاً أكبر بين الطبقات الاجتماعية، يكون وضع الأطفال أفضل بكثير».وكانت تلك الأحياء في السابق ذات أغلبية ساحقة من ذوي الدخل المنخفض، إذ اعتادت أميركا على تجميع الفقراء في مشاريع إسكانية وتركيزهم فيها. وتؤكد الدراسة مدى فشل هذا النهج، لذلك أنشأ مشروع «هوب 6» مجتمعات متنوعة الدخل وروابط مع المناطق المجاورة الأكثر ثراءً، مما زاد من تفاعل الأسر الفقيرة ومتوسطة الدخل.واستخدم الباحثون شبكات أصدقاء فيسبوك مجهولة الهوية وبيانات مواقع الهواتف المحمولة لإظهار أن الأطفال في هذه الأحياء المُعاد تطويرها يقضون وقتًا أطول في منازل خارج نطاق الإسكان العام، ويصادقون أطفالًا من أسر أكثر ثراءً.ووجدت الدراسة أن هذه الصداقات كانت المحرك الرئيسي لزيادة الارتقاء الاجتماعي، إذ يخشى بعض الأميركيين من التجديد الحضري، معتبرين إياه استغلالًا وتهميشًا، لكن الحقيقة أكثر تعقيداً، فعندما يؤدي إلى تفاعلات بين الطبقات الاجتماعية المختلفة، قد يكون ذلك مفيداً للأطفال.ويقول تشيتي، إن أكثر من نصف الوظائف في أميركا يتم الحصول عليها عن طريق التوصيات. لذا، إذا كنت على صلة بأشخاص يعمل آباؤهم في شركة مرموقة، فستكون لديك فرصة أكبر للحصول على تدريب داخلي هناك، وبناء مسيرة مهنية في هذا المجال.وأضاف أن الأهم من ذلك أن تلك التفاعلات تُشكل طموحات الطفل وإدراكه بما هو ممكن.ويُشكل الأصدقاء معايير السلوك، بدءًا من أداء الواجبات المدرسية وصولاً إلى تعاطي المخدرات، ومن الانضمام إلى العصابات إلى الزواج. فعلى سبيل المثال، يزداد احتمال زواج الشباب في المناطق ذات معدلات الزواج المرتفعة.وتعمل منظمة وطنية غير ربحية تُدعى «مجتمعات مبنية على الهدف»، ومقرها أتلانتا، على تنظيم الأحياء بطريقة تُتيح التفاعل بين أفراد من خلفيات اجتماعية مختلفة، «من خلال الالتقاء والتواصل غير الرسمي، كالجلوس معًا في حفل موسيقي أو معرض علمي أو فعالية رياضية».ولا يقتصر المستفيدون من هذا النوع من التفاعلات على الأطفال في الأحياء الأكثر فقرًا فحسب. فقد وجد الباحثون أن العديد من الأحياء في جميع أنحاء البلاد تتمتع بموقع مثالي لبرامج بناء روابط بين الطبقات الاجتماعية المختلفة. ولديهم خريطة توضح هذه الأحياء.وكما تشير الدراسة، فإن بعضًا من أفضل المرشدين الذين يمكننا الاستعانة بهم لمساعدة الأطفال المتعثرين على الخروج من دائرة الفقر قد يكونون أطفالًا آخرين وعائلاتهم.


