dhl
dhl

حوار خاص|..سندس عصام الدين: “بناء الإنسان من الطفولة هو أقوى استثمار للمستقبل”

القاهرة _ أميرة المحمدي:

منذ اللحظة الأولى التي تحدثت فيها سندس عصام الدين، بدا واضحًا أن الأمر لا يتعلق بمبادرة عابرة، بل برؤية متكاملة تؤمن بأن بناء الإنسان يبدأ من طفولته. فهي طالبة بكلية التربية – قسم الطفولة بجامعة الغردقة، لكنها لا ترى دراستها مجرد مسار أكاديمي، بل مسؤولية أخلاقية وتربوية تجاه جيل كامل يحتاج إلى من يفهمه قبل أن يعلّمه.

تقول إن الطفل ليس صفحةً بيضاء نملؤها بالمعلومات، بل روحٌ صغيرة تحتاج إلى من يصغي إليها ويمنحها مساحة آمنة للنمو.من خلال احتكاكها بالميدان، لاحظت فجوة حقيقية بين أسلوب التعليم التقليدي واحتياجات الطفل النفسية والوجدانية. رأت أطفالًا يحفظون الدروس عن ظهر قلب، لكنهم عاجزون عن الفهم العميق أو التعبير عن أنفسهم. هنا أدركت أن التلقين وحده لا يصنع وعيًا، وأن الحصة الدراسية إذا لم تمسّ قلب الطفل قبل عقله فلن تترك أثرًا حقيقيًا.

من هذه اللحظة وُلدت فكرة “جذور القصير”، مبادرة تسعى إلى تحويل التعلم من كلمات تُقال إلى تجربة تُعاش.تؤمن سندس بأن الطفل حين يعيش المعلومة تصبح جزءًا منه. فإذا كان الحديث عن التراث، فالأجدر أن يزور الأطفال أماكنه ويشاهدوه بأعينهم. وإذا كان الدرس عن قيمة أخلاقية، فالأجمل أن يُوضع الطفل في موقف عملي يختبر فيه تلك القيمة.

لذلك تعتمد المبادرة على الأنشطة التفاعلية، واللعب الحركي، وتمثيل الأدوار، والحوار المفتوح، والزيارات الميدانية، حتى يصبح التعلم تجربة حية تتجاوز حدود الفصل.

غير أن التعليم في “جذور القصير” لا ينفصل عن الجانب النفسي والتربوي. تؤكد سندس أن الطفل إذا لم يشعر بالأمان فلن يستقبل المعرفة.

لذلك تحرص المبادرة على خلق بيئة خالية من الضغط والمقارنة، بيئة تسمح بالخطأ بوصفه خطوة في طريق التعلم، وتمنح الطفل حق التجربة دون خوف. فكل نشاط يحمل هدفًا تعليميًا، لكنه مغلف بدفء إنساني يجعل الطفل يتعلم دون أن يشعر بأنه في “حصة”.

وتروي أن التغير الذي رأته في الأطفال كان الدافع الأكبر للاستمرار. أطفال كانوا يخجلون من الحديث أصبحوا يقفون بثقة أمام زملائهم.

آخرون كانت طاقتهم غير موجهة، فصاروا أكثر تنظيمًا واتزانًا. حتى أولياء الأمور لاحظوا اختلافًا في طريقة تفكير أبنائهم وتفاعلهم مع محيطهم، وهو ما أكد لها أن الطريق الذي اختارته صحيح.الثقة بالنفس، في نظرها، لا تُمنح بقرار، بل تُبنى بالتجربة.

حين يُمنح الطفل فرصة للنجاح، وحين يُسمح له بالتعبير عن رأيه ويُصغى إليه باحترام، يشعر بقيمته. لذلك تحرص المبادرة على أن يكون لكل طفل دور، ولكل موهبة مساحة للظهور.

من خلال الملاحظة الدقيقة أثناء الأنشطة، تكتشف ميول الأطفال وقدراتهم؛ من يميل إلى القيادة، ومن يعشق الرسم، ومن يمتلك موهبة السرد، ثم تعمل على توجيههم وتشجيع أولياء الأمور على احتضان تلك المواهب خارج نطاق المبادرة أيضًا.

ولأن الفكرة وجدت صدى حقيقيًا، جاءت ضمن برنامج تنمية أبناء الصعيد والمدن الحدودية بدعم من وزارة الشباب والرياضة، وهو دعم منح المبادرة إطارًا رسميًا وثقة أكبر لدى المجتمع، وأتاح مساحة أوسع للعمل المنظم، لتتحول من حلم شخصي إلى جزء من رؤية تنموية أوسع.لم تكن البداية سهلة. تعترف سندس بأن أصعب التحديات كانت إقناع الناس بالفكرة، خاصة وهي ما زالت طالبة في مقتبل العمر. كثرت التساؤلات، وتعددت الشكوك، لكن النتائج على أرض الواقع كانت الرد الأقوى.

بالالتزام والتنظيم والعمل الجاد، بدأت الثقة تكبر، وبدأت “جذور القصير” ترسّخ أقدامها في المجتمع.لم تنسَ سندس أن تعبّر عن امتنانها العميق لكل من آمن بفكرة “جذور القصير” منذ بدايتها، مؤكدة أن أي نجاح تحقق هو ثمرة دعم جماعي وإيمان مشترك بالحلم.

وخصّت بالشكر كل من ساندها ووقف إلى جوارها في خطواتها الأولى، كما وجّهت تقديرًا خاصًا لفريق برنامج الإشراف، الأستاذ شهاب، والأستاذة نعمة رسلان، والأستاذة هبة، تقديرًا لتوجيههم المستمر ودعمهم المعنوي والمهني، الذي كان له بالغ الأثر في تحويل الفكرة إلى واقع ملموس يخدم الأطفال ويصنع فارقًا حقيقيًا في حياتهم.وفي ختام حديثها، بدا الحلم أكبر من مجرد مبادرة محلية.

تتمنى أن ترى بعد سنوات طفلًا شارك يومًا في “جذور القصير” وقد صار شابًا واثقًا من نفسه، معتزًا ببلده، قادرًا على التعبير عن رأيه باحترام ووعي. تحلم بأن تكبر المبادرة وتصل إلى مدن أخرى، لتصبح نموذجًا تعليميًا مجتمعيًا يُحتذى به، لأن الاستثمار الحقيقي – كما تقول – ليس في المباني ولا في الشهادات، بل في الإنسان منذ طفولته الأولى.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.