القاهرة _ أميرة المحمدي:
داخل أروقة نقابة الصحفيين المصريين، كان الحوار مع د. ياسمين جمال أقرب إلى رحلة زمنية تبدأ من طفلة صغيرة تقف مبهورة أمام الكاميرات، وتنتهي بباحثة دكتوراه تؤمن بأن الإعلام قوة ناعمة قادرة على تشكيل وعي الأجيال.
تحكي أن شغفها بالإعلام لم يكن وليد الصدفة، بل بدأ منذ المرحلة الابتدائية، حين كانت ترافق والدتها – التي عملت رئيس تحرير برامج باتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري واستشاري الصحة النفسية وتطوير الذات – إلى الاستديوهات. هناك تعلقت بالشاشة والكاميرات وأجواء التصوير.
ثم جاءت تجربتها في برنامج “حوار مع الكبار” على القناة الثالثة بالفضائية المصرية، من تقديم الإعلامية سحر عباس، حيث كانت تناقش موضوعات تربوية بحماس واستعداد جاد، تحضّر جيدًا وتدخل الحوار بثقة مبكرة كشفت عن ملامح حلم يتشكل.

منذ الصف الأول الثانوي، حددت هدفها بوضوح: دراسة الإعلام. دعمت أسرتها هذا التوجه بقوة، فوالدها أستاذ دكتور علم النفس الإكلينيكي بكلية الدراسات العليا للطفولة بجامعة عين شمس، ومقرر لجنة قطاع الطفولة بالمجلس الأعلى للجامعات، وكان التشجيع العلمي حاضرًا في البيت كما كان الشغف حاضرًا في قلبها.
التحقت بقسم الإعلام بكلية الآداب في جامعة عين شمس، وهو القسم الذي وضعته في مقدمة اختياراتها، ولم تكتفِ بالدراسة الأكاديمية، بل واصلت تطوير أدواتها عبر الدورات والكورسات، والمشاركة في الصالونات الثقافية، مثل صالون الجراح الثقافي الذي كان يعقده الطبيب جمال مصطفى السعيد في مكتبة مصر العامة، وكذلك صالون مجلة حواء التابعة لمؤسسة دار الهلال، حيث كانت من العناصر الشابة الفاعلة.
تخرجت بتقدير جيد جدًا مع مرتبة الشرف، ثم واصلت طريق الدراسات العليا دون تردد، لتحصل على درجة الماجستير من كلية الدراسات العليا بجامعة عين شمس عام 2023 بتقدير «ممتاز»، وهي اليوم باحثة دكتوراه متخصصة في الإعلام وثقافة الأطفال. حملت رسالتها عنوانًا لافتًا: “تعرض المراهقين للمضامين المقدمة بمسلسلات الخيال العلمي العربية والأجنبية وعلاقته باتجاهاتهم نحو المستقبل”، وهو موضوع اختارته انطلاقًا من إيمانها بأن الدراما ليست ترفًا، بل أداة فاعلة في تشكيل الوعي والطموح.

توضح أن دافعها لاختيار الخيال العلمي تحديدًا يعود إلى كونه النوع الأقرب لاستشراف المستقبل، فهو لا يكتفي بعكس الواقع بل يطرح تصورات لما يمكن أن يكون. وركزت على المقارنة بين الإنتاج العربي والأجنبي لرصد الفروق في معالجة صورة الغد؛ فبينما تميل بعض الأعمال الأجنبية إلى تقديم مستقبل قائم على الابتكار والتقدم العلمي، يغلب على بعض الأعمال العربية الطابع التحذيري أو القلق.
وتشير إلى أن تأثير هذه الأعمال قد يدفع بعض المراهقين نحو التفاؤل والطموح العلمي، لكنه أحيانًا قد يزرع مخاوف أو تصورات غير واقعية إذا غابت المعالجة المتوازنة.وترى أن هذا النوع من الدراما يمكن أن يسهم في تشكيل اختيارات دراسية ومهنية، خاصة في مجالات التكنولوجيا والعلوم، إذا قُدم بصورة إيجابية ومحفزة. كما تؤكد أن المنصات الرقمية الحديثة وسرعة الوصول للمحتوى ضاعفت من حجم التأثير، ما يستدعي وعيًا أكبر من الأسرة والمدرسة.
فدور الأسرة – في رأيها – لا يكون بالمنع، بل بالحوار والمشاركة، بينما ينبغي للمؤسسات التعليمية توجيه الخيال نحو الإبداع والابتكار بدلًا من القلق، وتشجيع صناعة عربية أقوى في مجال الخيال العلمي تعكس هويتنا وتطلعاتنا.رحلتها المهنية لم تقتصر على البحث الأكاديمي؛ فقد قدمت برنامج “توته توته” على القناة الأولى، ونشرة أخبار الأطفال على القناة الثانية، كما شاركت مع زملائها في تقديم برنامج “فريندز بالعربي” على قناة مصر الحياة.

وهي اليوم تظهر ضيفة في عدة برامج، إلى جانب عملها كصانعة محتوى رقمي تبسط المفاهيم الإعلامية والتربوية، وتنشر مقالاتها بشكل دوري في مجلة حواء، وبوابة اليوم السابع، وبوابة الجمهورية، والبوابة نيوز. كما شاركت خلال سنوات دراستها الجامعية في رصد دراما رمضان بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة لمدة أربع سنوات متتالية.
ومن أبرز مشاركاتها المجتمعية، حضورها فعاليات حملة “نازلين الانتخابات” التي نظمتها مجلة حواء برئاسة الكاتبة الصحفية سمر الدسوقي، بالتعاون مع الهيئة العامة للاستعلامات، حيث تحدثت عن دور الشباب في دعم المشاركة الشعبية عبر التوعية الرقمية ونقل صورة إيجابية عن المشاركة الانتخابية. كما قدمت ندوة بعنوان “دور الشباب في المبادرات الرئاسية” بمدرسة جيل الصالحين الرسمية للغات، في إطار جهود نشر الوعي المجتمعي.
وعن رحلتها البحثية، تصفها بأنها كانت مليئة بالتحديات، من جمع البيانات وتحليلها إلى الموازنة بين العمل الأكاديمي والظهور الإعلامي، لكن الإشراف العلمي أسهم في صقل أدواتها البحثية وتعميق رؤيتها النقدية أما حصولها على تقدير «ممتاز»، فترى فيه تتويجًا لسنوات من الاجتهاد، ورسالة طمأنينة بأنها تسير في الطريق الصحيح نحو حلمها الأكبر: أن تصبح أستاذة جامعية، إلى جانب استمرار حضورها الإعلامي.
وفي ختام حديثها، تؤكد أن الخيال لا يعكس فقط ما يدور في عقولنا عن الغد، بل قد يصنعه أيضًا إذا أحسنّا توظيفه. فالإعلام، في نظرها، ليس مجرد شاشة وأضواء، بل مسؤولية في تشكيل وعي الأجيال. ونصيحتها لكل شاب وفتاة: اسعَ وراء حلمك، ولا تيأس، فالشغف الصادق إذا اقترن بالعلم والاجتهاد يصنع طريقه… مهما طال.











