القاهرة _ أميرة المحمدي:
تتواصل على الساحة الثقافية المصرية جهود مؤسسات الدولة لتعزيز ثقافة القراءة بين أجيال الأطفال والشباب، باعتبار القراءة ليست مجرد عادة فردية، بل أداة تنمية معرفية واجتماعية ترسخ الفكر النقدي وتعزز الوعي بالهوية والانتماء. وفي هذا السياق، تلعب الهيئة العامة لقصور الثقافة ومحاورها المتعددة دورًا محوريًا في نشر برامج القراءة والتوعية الأدبية داخل المجتمع، عبر مكتباتها المنتشرة في محافظات مصر، ومن خلال فعاليات وأنشطة تربط بين المعرفة والمتعة والفن.
تلعب مكتبات قصور الثقافة دورًا مهمًا في تمكين الجمهور من الوصول إلى مصادر المعرفة المتنوعة، من كتب أدبية وتاريخية وعلمية وثقافية، بأسلوب يضع القراءة في متناول الأطفال والشباب بعيدًا عن الزخم التعليمي أو الضغوط الأكاديمية.
فمن خلال بيئة مكتبية مشجعة، تتاح الفرصة للطفل لاكتشاف عوالم جديدة من القصص والخيال، وللشاب لاستكشاف موضوعات معرفية تتناسب مع اهتماماته وطموحاته المستقبلية، وفي كثير من الأحيان بشكل مجاني أو بتكلفة رمزية.
وعلى مدار السنوات الماضية، نظمت الهيئة حملات ولقاءات قرائية ومسابقات أدبية داخل مكتباتها وضمن أنشطة القوافل الثقافية المنتشرة بين المحافظات، مثل مسابقتي مصر تقرأ ومصر ترسم، اللتين جمعتا مشاركين من فئات عمرية متعددة عبر المنافسة في القراءة والتحليل والإبداع.
وتُعد هذه المبادرات نموذجًا للكيفية التي يمكن بها دمج المتعة المعرفية مع التنافس الإبداعي، ما يحفز الأطفال والشباب على القراءة والطموح إلى تقديم الأفضل بما يملكون من قدرات.وتعمل الهيئة أيضًا على شبکة المكتبات المتنقلة التي تصل إلى المناطق النائية أو التي تفتقر إلى بنية مكتبية ثابتة، ما يساهم في ترسيخ العدالة الثقافية ويقلص الهوة بين المركز والأطراف في إمكانية الوصول إلى المعرفة. ومن خلال هذه الشبكة، تُقام ورش قراءة وتفسير ومناقشات جماعية، ما يعزز التفاعل بين القارئ والنص، ويمنح الأطفال تجربة معرفية مختلفة تتجاوز التلقي السلبي إلى التفاعل الحي.
كما تتعاون قصور الثقافة مع المدارس والجامعات في تنظيم أسبوع القراءة الجماعية وفعاليات مشابهة شملت مسابقات قرائية ومعارض للكتب وأمسيات أدبية، بهدف دعم الطالب في بناء عادة القراءة كجزء من حياته اليومية، وليس فقط كمطلب دراسي. وقد أثبت مثل هذا النهج فعاليته في جعل القراءة أكثر جاذبية للشباب، إذ تتحول من نشاط فردي إلى تجربة اجتماعية تشاركونها النقاشات والإبداعات.
تحليليًا، يمكن القول إن ما يجري في مصر من دعم مؤسساتي لمشاريع القراءة يعكس فهمًا عميقًا لأهمية المعرفة في بناء المجتمع، إذ تُعد القراءة “الوقود الثقافي” الذي يغذي الفكر ويحفز الإبداع، ويسهم في تمكين الشباب من مواجهة تحديات العصر عبر وعي أوسع وأفق معرفي أعمق، ما يجعل الاستمرار في هذه البرامج ضروريًا ليس فقط من أجل تنمية مهارات فردية، بل من أجل بناء مجتمع قادر على الابتكار والمنافسة.



