القاهرة – مصطفى المصري:
في زحام الحياة، وبين طموحات الشباب التي قد تصطدم أحياناً بجدران الواقع، تولد حكايات لا تشبه غيرها.
حكايتنا اليوم ليست مجرد قصة عن “طبق أرز”، بل هي رحلة حب، ووفاء، وإصرار.. تبدأ من بيوت مصرية أصيلة لم تتخلَّ يوماً عن جذورها الممتدة في بلاد الخليج، حيث رائحة الهيل والقرفة والزعفران ليست مجرد توابل، بل هي جزء من “جينات” العائلة.خلف هذا المشروع يقف شاب مهندس لم تمنعه شهادته الجامعية من أن يتبع شغفه خلف “دخان المطابخ” ورائحة “الأفران المدفونة في الأرض”.
وتسانده “العرّابة”، الأم التي زرعت في أبنائها سر المهنة، والأب الذي كان السند والداعم في كل عثرة.من تجربة أولى في العبور، إلى رحلة الواجب الوطني في الجيش، ثم الانطلاق من جديد عبر “مطبخ مركزي” يتحدى المسافات ويصل بـ “صينية الدبوس” الشهيرة إلى أبعد أحياء المحروسة.
في هذا الحوار، نبحر في سر “الكشنة”، ونعرف الفرق بين البخاري والكبسة والبرياني، ونستكشف كيف يمكن لـ “نفس” بيتي دافئ أن يهزم أضخم المطاعم التجارية.

—في البداية، “بسمتي بابا” اسم يلفت الانتباه ويحمل دلالة عائلية قوية.. من أين جاءت الشرارة الأولى؟هل هي فكرة مهندس أراد تغيير مساره، أم حنين لمذاق نشأتم عليه في الغربة؟
الحقيقة هي مزيج من الاثنين.أنا كبرت وأنا لا آكل تقريباً إلا الأرز البسمتي، المطبخ الخليجي بالنسبة لنا هو “أكل البيت” الطبيعي بفضل الأجداد وتواجدنا هناك لفترة طويلة.الفكرة بدأت كحلم عائلي؛ والدي هو من مولني وآمن بي، ووالدتي هي “العرّابة” وسر النفس الطيب في كل ما نقدمه.نحن لسنا مجرد مطعم، نحن “مطبخ مركزي” (Center Kitchen) يقدم الأكل بروح “البيت” ولكن باحترافية العلامات التجارية الكبرى.
—بصفتك القوة الناعمة والملهمة خلف هذا المشروع.. كيف تم نقل أسرار المطبخ الخليجي للأبناء حتى أصبحوا ينافسون بخبراتهم كبار الطهاة المحترفين؟
الأكل حب قبل أن يكون مقادير.كنا دائماً في بيتنا نطبخ الأكل الخليجي، وفي عزائم الأصدقاء كان الجميع ينبهر بالمذاق.الأبناء تشربوا هذه الثقافة، واليوم أصبح لديهم “مقادير ذهبية”.
هناك نظام دقيق للعمل، حيث يتم وضع سر الخلطة في أكياس جاهزة (الكشنة) لضمان أن يخرج الطعم في كل الفروع بنفس الجودة.نحن نراعي الله في كل قطعة لحم وكل حبة أرز.
–يختلط الأمر على الكثيرين بين أنواع الأرز الخليجي ويظنونها صنفاً واحداً.. كيف يمكن شرح الفرق بين “الثلاثية الشهيرة” (البخاري، الكبسة، البرياني) للجمهور؟
هذا هو جوهر ما نحاول تعليمه للناس من خلال كروت تعريفية نرفقها مع الوجبات.
الفرق شاسع:
الأرز البخاري:أصله من مدينة بخارى بآسيا الوسطى، وانتقل للسعودية عبر التجار والحجاج.يتميز بـ “الجزر والزبيب” وطعمه الأخف، واسمه نسبة للمكان لا لطريقة الطهي.
الكبسة:هي الطبق السعودي الأصيل 100%.اسمها جاء من “كبس” المكونات مع بعضها في قدر واحد، وتعتمد على اللومي (الليمون المجفف) والقرفة والهيل.
البرياني:أصله هندي باكستاني بلمسة فارسية.يعتمد على نظام “الطبقات”، ويتميز بقوة بهاراته واستخدام اللبن الرايب والزعفران والكركم.
–هناك حديث عن “سر الأرض” في طريقة تسوية اللحوم والدواجن.. هل فعلاً يتم اتباع طرق تقليدية بدائية وسط صخب المدن الحديثة؟
نعم، يتم الاعتماد على أفران مدفونة في الأرض في المزرعة، تماماً كما في البادية.هذه الطريقة تجعل اللحم “زبدة”.حتى الديك الرومي الذي يشتكي الناس من جفاف صدره، يتم حقنه بالزبدة والتوابل ليسيح في الفم.تم تقديم “دبوس النعام” مندي لأول مرة في مصر، ولم يتم طرحه إلا بعد تجارب عديدة حتى الوصول لأعلى درجة رضا عن الطعم والتسوية.
—تمت مواجهة تحديات صعبة، من إغلاق فرع العبور بسبب ظروف الخدمة العسكرية إلى غلاء الإيجارات، والآن العودة بنظام “الأونلاين”..كيف يتم ضمان وصول الأكل للعملاء في مناطق بعيدة بنفس الجودة والحرارة؟
التحدي هو وقود الاستمرار.حالياً يتم العمل بنظام “المطبخ المركزي” أونلاين فقط، مع استخدام طرق تغليف احترافية تحافظ على حرارة الطعام وكأنه يُقدم داخل المطعم.في بعض الأحيان يتم تحمل جزء من تكلفة التوصيل لضمان عدم تأثر العميل ببعد المسافة، لأن الهدف الأساسي هو أن يتذوق الناس جودة المنتج.وقد تم تلبية طلبات من فنانين ومشاهير وشركات إنتاج كبرى في مناطق بعيدة مثل الدقي والتجمع، وكانت ردود الفعل إيجابية للغاية.
—ما هي الرسالة التي يمكن توجيهها للشباب الذين يخشون البدايات أو تعثروا في منتصف الطريق ويرغبون في بناء مشروع خاص؟
“الاستقامة المهنية” هي السر.
يجب البدء بالإمكانات المتاحة، مع الأمانة في اختيار الخامات.رغم أن الدراسة كانت في مجال الهندسة الزراعية، إلا أنه تم توظيف هذا العلم في اختيار أجود المحاصيل واللحوم من المصدر مباشرة.
الدعم العائلي، خاصة من الأب، كان عاملاً أساسياً في الاستمرار وعدم الخوف من الفشل.وهناك خطة للتوسع والتواجد في الأندية الكبرى، انطلاقاً من الثقة في أن من يتذوق التجربة مرة، سيظل مرتبطاً بها دائماً.












