القاهرة _ أميرة المحمدي:
تمرّ ذكرى رحيل سيد النقشبندي فتعود معها إلى الأذهان نبرةٌ روحانية خاشعة، وصوتٌ خرج من أعماق القلب ليصل إلى القلوب بلا استئذان. لم يكن الشيخ سيد النقشبندي مجرد منشد ديني يردد الابتهالات، بل كان حالةً إيمانية متكاملة، وتجربة فنية وروحية تركت أثرًا بالغًا في وجدان المصريين والعالم العربي، حتى غدا صوته علامة مميزة لشهر رمضان، وركنًا ثابتًا في ذاكرة التديّن الشعبي الصادق.
وُلد الشيخ سيد النقشبندي عام 1920 في قرية دميرة بمحافظة الدقهلية، في بيئةٍ صوفيةٍ عُرفت بحبها للذكر والإنشاد، فنشأ محاطًا بأجواء الروحانيات، وتعلّق قلبه منذ الصغر بالمدائح النبوية والابتهالات. حفظ القرآن الكريم في سن مبكرة، وتعلّم أصول المقامات الصوتية على أيدي مشايخ عصره، فامتزجت لديه قوة الحفظ بصفاء الروح، وتكوّنت شخصية إنشادية فريدة قادرة على الجمع بين الالتزام الديني والذائقة الفنية الرفيعة.
لم يعتمد النقشبندي على الزخرفة الصوتية أو الاستعراض، بل كان صوته ينساب بخشوعٍ عميق، يحمل بين طبقاته حزنًا شفيفًا وتضرعًا صادقًا، حتى إذا أنشد “مولاي إني ببابك” شعر المستمع أن الكلمات تنبع من قلبٍ متبتلٍ قبل أن تخرج من حنجرةٍ قوية. وقد ارتبط اسمه ارتباطًا وثيقًا بالإذاعة المصرية، حيث قدّم عبر أثيرها عشرات الابتهالات التي أصبحت جزءًا من الطقوس الرمضانية اليومية، فلا يكاد يمرّ فجر أو مغرب في رمضان إلا ويعلو صوته مذكّرًا الناس بمعاني التوبة والرجاء والمحبة الإلهية.
كان تعاونه مع الموسيقار بليغ حمدي نقطة تحوّل مهمة في مسيرته، إذ قدّم معه مجموعة من الابتهالات التي مزجت بين روح التصوف وعبقرية اللحن، فخرجت أعمالٌ خالدة جمعت بين عمق الكلمة وجلال الأداء وروعة التوزيع الموسيقي، دون أن تفقد نقاءها أو بساطتها. وقد أسهم هذا التعاون في نقل الابتهال الديني إلى آفاقٍ أوسع، فصار يُستمع إليه لا بوصفه إنشادًا تقليديًا فحسب، بل بوصفه فنًا راقيًا يخاطب الوجدان.
تميّز الشيخ سيد النقشبندي بشخصية متواضعة، بعيدة عن الأضواء الصاخبة، وكان يؤمن بأن رسالته تتجاوز حدود الشهرة إلى التأثير الروحي في الناس. لم يكن يبحث عن الأجر المادي بقدر ما كان يحرص على صدق الكلمة ونقاء النية، ولذلك ظلّ اسمه مقترنًا بالإخلاص، وظلّ صوته حاضرًا في البيوت والمساجد والقلوب حتى بعد رحيله في عام 1976.
ولم يكن تأثير سيد النقشبندي مقصورًا على جيلٍ بعينه، بل امتد عبر الأجيال، حتى صار صوته جسرًا زمنيًا يربط الماضي بالحاضر. فكم من طفلٍ استيقظ على نبرته الخاشعة دون أن يعرف اسمه في البداية، ثم كبر ليكتشف أن ذلك الصوت الذي كان يملأ البيت طمأنينةً في السَّحر هو صوت النقشبندي.
لقد تجاوز حضوره حدود المناسبة الدينية، ليصبح جزءًا من الذاكرة الجمعية، وصوتًا يُستدعى كلما اشتاقت النفس إلى صفاءٍ نادر.تميّز أداؤه بقدرة استثنائية على التحكم في المقامات والتنقل بينها بسلاسة، دون أن يفقد إحساس التضرع أو حرارة المعنى. كان يبدأ الابتهال بهدوءٍ عميق، ثم يتصاعد تدريجيًا حتى يبلغ الذروة، فيأخذ المستمع في رحلة وجدانية كاملة، يشعر خلالها بأنه شريك في الدعاء لا مجرد متلقٍّ له.
هذا البناء الصوتي المتدرج، مع وضوح مخارج الحروف وقوة النفس، منح أعماله طابعًا خاصًا يصعب تقليده أو تجاوزه.كما أن كلماته المختارة بعناية، سواء كانت من التراث الصوفي أو من نصوص كتبها شعراء معاصرون، كانت تحمل معاني الرجاء والانكسار والمحبة الإلهية، وهي معانٍ ظلّت قادرة على ملامسة القلوب مهما تغيّرت الأزمنة. لم يكن إنشاده صاخبًا أو متكلّفًا، بل كان أقرب إلى مناجاةٍ خفية بين العبد وربه، يسمعها الناس فيشاركونه الإحساس ذاته.
وفي زمنٍ تسارعت فيه الإيقاعات وتبدلت الأذواق، بقي صوت الشيخ سيد النقشبندي حاضرًا بقيمته الروحية والفنية، يُبثّ في الإذاعات وتتناقله المنصات المختلفة، وكأنه يرفض أن يتحول إلى مجرد ذكرى.
فذكراه ليست حدثًا عابرًا يُستعاد مرةً في العام، بل هي حضورٌ دائم يتجدد مع كل دعاء، وكل لحظة خشوع، وكل قلب يبحث عن سكينة. هكذا يظل النقشبندي رمزًا لصوتٍ خرج من الأرض لكنه ظلّ معلّقًا في السماء، يحمل رسالة صفاءٍ وإيمان لا تبلى.
في ذكرى رحيله، لا نستحضر مجرد منشد بارع، بل نستعيد زمنًا كان فيه الصوت الصادق كافيًا ليجمع الناس على معنى واحد، ويوقظ فيهم إحساس القرب من الله. لقد ترك الشيخ سيد النقشبندي إرثًا روحيًا لا يُقاس بعدد التسجيلات، بل بعمق الأثر الذي ما زال يسكن الوجدان، وبذلك بقي صوته شاهدًا على أن الفن حين يتصل بالإيمان يتحول إلى دعاءٍ خالدٍ لا ينقطع صداه.




