القاهرة – مصطفى المصري:
في قلب القاهرة القديمة، حيث تتشابك الأزقة كأنها خيوط حكايات لا تنتهي، وحيث تختلط رائحة الخبز الساخن بعبق التاريخ، تقف منطقة باب الشعرية شاهدة على زمنٍ لا يزال حيًا رغم كل ما تغيّر.هنا، لا تُقاس الأماكن بمساحتها، بل بعمقها… ولا تُحكى القصص بالكلمات فقط، بل بالروائح، بالأصوات، وبملمس العجين بين الأيدي.
ومن بين هذه الحكايات، تبرز “فطائر الطوخي”كواحدة من العلامات التي لم تكن يومًا مجرد مطعم، بل كانت ذاكرة ممتدة، بدأت منذ عام 1890، حين كانت النار تُشعل بالحطب، وكان الفطير يُصنع كما لو أنه طقس يومي مقدس.رحلة طويلة، بدأت من شارع “خليج المصري”، وصولاً إلى “سوق الجراية” بباب الشعرية قبل هدمه، حيث استقر الاسم، وبقي الطعم، واستمرت الحكاية.
وراء هذا الإرث يقف الإخوة وائل جودة الطوخي (الأخ الأكبر)، ومحمد جودة الطوخي، وأيمن جودة الطوخي، حاملين مسؤولية اسم صنعه آباؤهم وأجدادهم، وتعلموا منذ الصغر أن هذه المهنة ليست مجرد عمل، بل حياة كاملة… يقف خلفها العم محمد سيد الطوخي، صاحب الفضل الأول في الحفاظ على هذا الكيان.

الفطير على الشاشة… ذاكرة فنية داخل الفرن
لم يكن “فطائر الطوخي” مجرد مكان للطعام، بل كان شاهدًا على لحظة فنية مهمة، حين اختارته السينما المصرية ليكون جزءًا من صورتها.فقد تم تصوير عدد من مشاهد فيلم “طاقية الإخفاء” داخل المطعم، وهو الفيلم الذي عُرض في 12 فبراير عام 1944، من إخراج المخرج المصري نيازي مصطفى.

وقد بلغت تكلفة إنتاج الفيلم نحو 6000 جنيه، بينما حقق أرباحًا وصلت إلى 91 ألف جنيه بعد عام واحد فقط، في رقم يعكس نجاح العمل، ويؤكد أن المكان لم يكن مجرد مطعم، بل جزء من ذاكرة الفن المصري.

س: خلينا نرجع للبداية… إمتى بدأت حكاية “فطائر الطوخي”؟
البداية ترجع لزمن بعيد جدًا، تقريبًا من سنة 1890، وقتها كان جدي شغال فطاطري في شارع اسمه “خليج المصري”، والشارع ده كان من الشوارع القديمة المهمة، لكن مع الوقت اتهد واختفى.
الحكاية ما وقفتش عند كده، بالعكس، بدأت تتحرك وتتنقل لحد ما استقرت في “سوق الجراية” بمنطقة باب الشعرية قبل ما يتهد، ومن هنا بدأ يتكوّن الاسم تدريجيًا.
إحنا اتولدنا لقينا الشغلانة موجودة، لقينا الجد والأب وكل العيلة شغالة فيها، فالموضوع ما كانش مجرد بداية، ده كان امتداد طبيعي لحياة كاملة.
س: يعني المهنة كانت وراثة أكتر ولا حب؟
الحقيقة هي الاتنين مع بعض، بس الحب جه من المعايشة… إحنا نزلنا الشغل وإحنا صغيرين جدًا، من سن 7 سنين تقريبًا، كنا بنقف نتفرج الأول، وبعدين نساعد، لحد ما بقينا جزء من المكان. كنا شايفين تعب الأب وإخلاصه، وشايفين إن الشغلانة دي هي اللي مأكلة العيش وبتستر البيت، فكبرنا وإحنا متعلقين بيها من غير ما حد يفرضها علينا، وده اللي بيحافظ عليه اخويا الكبير وائل ومعاه كل الإخوة النهاردة.
س: إمتى كانت النقلة لباب الشعرية؟ وليه؟
بعد ما الأماكن القديمة وسوق الجراية اتهدوا، كان لازم ندور على مكان نكمل فيه، فاستقرينا في قلب باب الشعرية، وتحديدًا شارع الشيخ العروسي. المنطقة دي كانت حيوية جدًا، فيها كل أنواع الناس، الغني والفقير، المصري والأجنبي، وده ساعد إن الاسم ينتشر. من ساعتها وإحنا هنا، بقالنا سنين طويلة في نفس المكان، والمحل بقى جزء من المنطقة.
س: إيه سر الطعم اللي مخلي الناس تيجي من أماكن بعيدة؟
السر مش حاجة واحدة، هو مجموعة تفاصيل صغيرة… أولها الخامة، إحنا بنختار كل حاجة بنفسنا، وتاني حاجة الإيد، لأن الشغلانة دي مش ماكينة، دي إحساس. أهم حاجة بقى إن سر العجينة ما يطلعش بره العيلة، لأن ده اللي بيميزك. ممكن حد يساعد في الشغل، لكن الأساس لازم يكون في إيد صاحب المكان، لأن الزبون جاي لك أنت، مش لأي حد تاني.
س: هل حاولتوا تواكبوا التطور في الأكل؟
طبعًا، إحنا مش ضد التطوير، بالعكس عملنا كريب وبيتزا في فروع تانية، وده عشان نمشي مع الجيل الجديد. لكن رغم كل ده، بنلاحظ حاجة مهمة جدًا، إن الناس بترجع للأصل… بترجع تقولك “إحنا جايين للفطير بتاع زمان”، وده بيثبت إن القديم مهما اختفى، بيعيش جوه الناس.
س: إيه حكاية “البالوظة” اللي الناس بتسأل عنها؟
البالوظة دي اسم قديم للمهلبية، بس إحنا بنعملها بطريقتنا، بنضيف لبن وسكر وفانيليا، وبتدي طعم مختلف جدًا. دي من الحاجات اللي الناس بتيجي مخصوص عشانها، لأنها بترجعهم لزمن تاني، لطعم افتقدوه ومش بيلاقوه بسهولة دلوقتي.
س: احكي لنا عن طريقة الشغل زمان؟
زمان مكنش فيه أي إمكانيات… لا غاز ولا كهرباء، كنا بنشتغل بالحطب، ونولع النار بإيدينا، والعجين كله يتعمل يدوي، حتى البصل كنا بنفرمه بالسكينة. التعب كان أكبر، لكن الطعم كان ليه روح مختلفة، لأن كل حاجة كانت طبيعية وبسيطة.
س: هل فعلاً كان بيجيلكم أجانب؟
آه طبعًا، كان بييجيلنا ناس من بره مصر، من ألمانيا وفرنسا وأمريكا، وكانوا بييجوا يصوروا الشغل، لأن الطريقة دي بالنسبة لهم كانت مميزة جدًا. كانوا شايفين إن الفطير ده مش مجرد أكل، ده جزء من ثقافة كاملة.
س: إيه أهم مبدأ اتعلمتوه من الأهل؟
أهم جملة كانت دايمًا بتتقال لنا: “اللقمة اللي أنت تشتهيها تعجب الزبون”، يعني لو أنت مش مقتنع بالحاجة، مستحيل الزبون يحبها. الجملة دي بسيطة، لكنها قاعدة بنمشي عليها في كل حاجة.
س: هل الجيل الجديد هيقدر يحافظ على الاسم؟
إحنا بنحاول نعلمهم من وهم صغيرين، لأن المشكلة إن الجيل التاني أحيانًا بيحب الراحة، وده ممكن يضيع تعب السنين. فبنخليهم ينزلوا الشغل، ويتعلموا بإيدهم، عشان يحسوا بقيمة المكان.
س: ليه مش بتتوسعوا بشكل أكبر؟
لأن الشغلانة دي لازم صاحبها يكون موجود فيها… مش ينفع تفتح مكان وتسيبه لعمال، لأن الجودة هتتغير، والاسم ممكن يضيع. إحنا ممكن نفتح فروع، بس بشرط نكون إحنا موجودين فيها بنفسنا.
س: كلمة أخيرة تحب تقولها؟
الحمد لله على كل حاجة… أهم حاجة الستر، والشغل ده مش مجرد مهنة، ده عمر كامل، وربنا يديمها نعمة.
ختاماً
“فطائر الطوخي” ليست مجرد مطعم… بل حكاية تُخبز كل يوم من جديد، وتُقدَّم ساخنة كما هي، بلا تغيير. حكاية تثبت أن بعض الأشياء، مهما مر عليها الزمن منذ 1890… تظل كما هي، لأن فيها روحًا لا تتغير.












