dhl
dhl

الثقافة في قلب المدرسة… كيف تدعم الدولة النشاط الثقافي لبناء وعي الأجيال؟

القاهرة _ أميرة المحمدي:

تشهد الساحة التعليمية والثقافية في مصر خلال السنوات الأخيرة توجهًا واضحًا نحو دمج النشاط الثقافي في صميم العملية التربوية، باعتباره أحد أهم أدوات بناء الوعي وتشكيل الشخصية لدى النشء. ولم تعد الثقافة نشاطًا هامشيًا أو ترفيهيًا داخل المؤسسات التعليمية، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في خطط الدولة المرتبطة بالتنمية الشاملة ورؤية مصر 2030، التي تضع بناء الإنسان في مقدمة أولوياتها. وفي هذا السياق، تتعاون وزارة الثقافة مع وزارة التربية والتعليم وعدد من الجهات المعنية لتنفيذ برامج وأنشطة تستهدف الطلاب في مختلف المحافظات، خاصة المناطق الأكثر احتياجًا، بهدف تعزيز القيم الإيجابية وتنمية المهارات الفكرية والإبداعية.ومن بين النماذج البارزة لهذه الجهود، ما شهدته بعض المحافظات — ومنها سوهاج — من تنفيذ فعاليات ثقافية داخل المدارس، ركزت على نشر مفاهيم النزاهة والشفافية ومكافحة الفساد، من خلال ندوات توعوية ولقاءات مفتوحة ومسابقات فنية وأدبية. هذه الأنشطة لم تعتمد فقط على المحاضرات التقليدية، بل اتجهت إلى الأساليب التفاعلية مثل المسرح المدرسي، وورش الكتابة، والفنون التشكيلية، والأنشطة التعبيرية، بما يساعد على تحويل المفاهيم العامة إلى سلوكيات عملية يفهمها الطالب ويشارك في صياغتها.وتحرص الهيئة العامة لقصور الثقافة على توسيع نطاق هذه المبادرات عبر برامج ميدانية تصل إلى المحافظات الحدودية والقرى والمناطق الريفية، من خلال مشروعات ثقافية موجهة للشباب والأطفال، تتضمن ورشًا للحرف اليدوية، والفنون، والقراءة، وتنمية المواهب. وتستهدف هذه البرامج تقليل الفجوة الثقافية بين المركز والأطراف، وتوفير فرص متكافئة للوصول إلى المعرفة والإبداع، بما يعزز العدالة الثقافية ويمنح المواهب الشابة مساحات للظهور والتطوير.كما تلعب الأنشطة الثقافية دورًا متزايدًا في دعم المنظومة التعليمية الحديثة، التي لم تعد تركز فقط على التحصيل الدراسي، بل تهتم أيضًا بالمهارات الحياتية والوعي المجتمعي. فالطالب الذي يشارك في نشاط ثقافي أو فني أو مسرحي يكتسب مهارات التواصل والعمل الجماعي والتفكير النقدي، وهي مهارات أساسية لسوق العمل ولمتطلبات المجتمع المعاصر. ومن هنا يأتي الربط بين الثقافة والتعليم كأحد محاور التطوير المؤسسي، حيث تتحول المدرسة إلى مساحة تعلم شاملة تجمع بين المعرفة والقيم والمهارات.الدولة كذلك توسعت في تنظيم القوافل والملتقيات الثقافية المشتركة، التي تجمع طلابًا من محافظات مختلفة في برامج موحدة، بما يعزز روح الانتماء والتعارف وتبادل الخبرات. وتُستخدم في هذه الفعاليات أدوات متنوعة مثل العروض الفنية والزيارات الميدانية للمواقع الأثرية والمتاحف، ولقاءات مع كتاب ومبدعين، لربط الطلاب بهويتهم الحضارية وتراثهم الثقافي بصورة مباشرة وحية.وعلى المستوى الاستراتيجي، تعكس هذه التحركات إيمانًا رسميًا بأن التنمية الثقافية ليست منفصلة عن التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بل هي ركيزة لها. فبناء إنسان واعٍ ومبدع وقادر على التفكير النقدي يمثل أساس أي مشروع تنموي طويل الأمد. لذلك لم تعد الثقافة مجرد قطاع خدمي، بل أصبحت شريكًا في صناعة الوعي الوطني ومواجهة الأفكار السلبية والتطرف الفكري، ودعم قيم المواطنة والمسؤولية.وفي ضوء هذه الجهود، يتضح أن النشاط الثقافي في المدارس والمحافظات لم يعد مجرد فعالية موسمية، بل يتحول تدريجيًا إلى سياسة مستدامة تستهدف بناء جيل أكثر وعيًا وانفتاحًا وقدرة على الإبداع. ومع استمرار التعاون بين المؤسسات الثقافية والتعليمية، تتحوّل الثقافة من نشاط جانبي إلى مسار أساسي في تشكيل عقل ووجدان الطالب، بما يعزز فرص بناء مجتمع أكثر وعيًا وتماسكًا في المستقبل.

اعلان الاتحاد
مرسيدس
Leave A Reply

Your email address will not be published.